الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ تفسير الغريب بما ورد في بعض طرقه ] ( وخير ما فسرته ) ; أي : الغريب ، ( بـ ) المعنى ( الوارد ) في بعض الروايات مفسرا لذلك اللفظ ; ( كالدخ ) بضم الدال المهملة عند الأكثر ، وحكى ابن السيد فيها الفتح أيضا ، بعدها معجمة ; فإنه جاء في رواية أخرى ما يقتضي تفسيره ( بالدخان ) مع كونه لغة حكاها ابن الدريد وابن السيد والجوهري وآخرون ، قال الشاعر :

عند رواق البيت يغشى الدخا

في القصة المتفق عليها ، ( لابن صائد ) بمهملتين بينهما ألف ثم مثناة : أبي عمارة عبد الله ، الذي يقال له : ابن صياد أيضا ، وكان يقال : إنه الدجال . فالبخاري أخرجها من حديث هشام بن يوسف ، ومسلم من حديث عبد الرزاق ، كلاهما عن معمر ، عن [ ص: 34 ] الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قال له : ( خبأت لك خبيئا ) . قال ابن صائد : هو الدخ . ( كذاك ) ; أي : كونه الدخان ، ثبت ( عند الترمذي ) في جامعه وقال : إنه صحيح . وكذا عند أبي داود ، كلاهما من حديث عبد الرزاق ، وأخرجه أحمد عنه أيضا . واتفق الثلاثة على قولهم : وخبأ له ، يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( يوم تأتي السماء بدخان مبين ) .

بل في رواية أخرى عند أحمد والبزار من حديث أبي ذر : فأراد ابن صياد أن يقول : الدخان . فلم يستطع ، فقال : الدخ الدخ . وذلك كما قال ابن الصلاح على عادة الكهان في اختطاف بعض الشيء من الشياطين من غير وقوف على تمام البيان ; ولهذا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( اخسأ ، فلن تعدو قدرك ) ; أي : فلا مزيد لك على قدر إدراك الكهان .

ووقع في رواية أخرى عند البزار أيضا ، والطبراني في الأوسط من حديث أبي الطفيل ، عن زيد بن حارثة قال : ( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خبأ له سورة الدخان ) : . وكأنه أطلق السورة وأراد بعضها .

وحكى أبو موسى المديني أن السر في امتحان النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية الإشارة إلى أن عيسى ابن مريم عليه السلام يقتل الدجال بحبل الدخان ، كما في رواية أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر ، فأراد التعريض لابن صائد بذلك ; لأنه كان يظن أنه [ ص: 35 ] الدجال . على أن الخطابي استبعد تفسير الدخ بالدخان ، وصوب أنه خبأ له الدخ ، وهو نبت يكون من البساتين . وسبب استبعاده أن الدخان لا يحط في اليد ولا الكم ، ثم قال : إلا أن يكون خبأ له اسم الدخان في ضميره .

( والحاكم ) أبو عبد الله ( فسره ) أيضا في علومه ( الجماع ) ; أي : بالجماع ، ( وهو ) كما اتفق عليه الأئمة ( واهم ) في ذلك ، حتى قال ابن الصلاح : إنه تخليط فاحش يغيظ العالم والمؤمن . ولفظ الحاكم : سألت الأدباء عن تفسير الدخ ، فقال : كذا يدخها ويزخها - يعني بالزاء بدل الدال - بمعنى واحد ، الدخ والزخ . قال : والمعنى الذي أشار إليه ابن صائد - خذله الله فيه - مفهوم ، ثم أنشد لعلي رضي الله عنه : طوبى لمن كانت له مزخه يزخها ثم ينام الفخه فالمزخة بالفتح : هي المرأة ، قاله الجوهري . ومعنى يزخها : يجامعها . والفخة : أن ينام فينفخ في نومه . ويؤيد وهم الحاكم رواية أبي ذر الماضية ; لما فيه من قوله : فأراد ابن صائد أن يقول : الدخان . فلم يستطع .

بل قال المصنف : إنه لم ير في كلام أهل اللغة أن الدخ بالدال هو الجماع ، وإنما ذكره بالزاء فقط . وإذا كان كل من الحاكم والخطابي مع كونه من أئمة الفن صدر منه خلاف الرواية في معنى هذا اللفظ ، [ ص: 36 ] فكيف ممن دونهما على أن من الغريب ما لا يعرف تفسيره إلا من الحديث ؟ ! .

وقد جمع أبو بكر بن الأنباري من ذلك شيئا ، وإلى ذلك أشار ابن الأثير في النهاية ، فقال في ( هرد ) : قال ابن الأنباري : القول عندنا في الحديث : ( بين مهرودتين ) يروى بالدال والذال ; أي : بين ممصرتين ، على ما جاء في الحديث ، ولم نسمعه إلا فيه . وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث ، ونقل غيره عن ابن الأنباري منها حديث : ( من اطلع في صير باب ففقيت عينه فهي هدر ) ، وحديث ابن عمر : ( أنه مر برجل ومعه صير فذاق منه ) . فالأول : الشق ، والثاني : الصحناة . ومنها أن عمر سأل المفقود الذي استهوته الجن : ما شرابهم ؟ قال : الجدف . يعني بالجيم والمهملة المحركتين بعدهما فاء ، وهو نبات باليمن لا يحتاج آكله شرب ماء . وقيل : ما لم يذكر اسم الله عليه .

ونازع ابن الأنباري صاحبه القاضي أبو الفرج النهرواني في جعله الصير مما لا يعرف إلا في الحديث ، بأنه مشهور بين الخاصة والعامة . وكذا مما ينبغي أن يعتمد في الغريب تفسير الراوي ، ولا يتخرج على الخلاف في تفسير اللفظ بأحد محتمليه ; لأن هذا إخبار عن مدلول اللغة ، وهو من أهل اللسان ، وخطاب الشارع يحمل على اللغة ما أمكن موافقته لها .

ووراء الإحاطة بما تقدم الاشتغال بفقه الحديث والتنقيب عما تضمنه من الأحكام والآداب المستنبطة منه . وقد تكلم البدر بن جماعة في مختصره فيما يتعلق بفقهه وكيفية الاستنباط منه ، ولم يطل في ذلك ، والكلام فيه متعين ، وذكر [ ص: 37 ] شروطه لمن بلغ أهليته ذلك . وهذه صفة الأئمة الفقهاء والمجتهدين الأعلام ; كالشافعي ومالك وأحمد والحمادين والسفيانين وابن راهويه والأوزاعي ، وخلق من المتقدمين والمتأخرين . وفي ذلك أيضا تصانيف كثيرة ; ( كالتمهيد ) و ( الاستذكار ) ، كلاهما لابن عبد البر . و ( معالم السنن ) و ( إعلام الحديث على البخاري ) ، كلاهما للخطابي . و ( شرح السنة ) للبغوي مفيد في بابه . و ( المحلى ) لابن حزم ، كتاب جليل ، لولا ما فيه من الطعن على الأئمة وانفراده بظواهر خالف فيها جماهير الأمة . و ( شرح الإلمام ) و ( العمدة ) ، كلاهما لابن دقيق العيد ، وفيهما دليل على ما وهبه الله تعالى له من ذلك . ونعم الكتاب ( شرح مسلم ) لأبي زكريا النووي ، وكذا أصله للقاضي عياض ، و ( شرح البخاري ) لشيخنا ، و ( الأحوذي في شرح الترمذي ) للقاضي أبي بكر بن العربي ، والقطعة التي لابن سيد الناس عليه أيضا ، ثم الذيل عليها للمصنف ، وانتهى فيه إلى النصف ، وقد شرعت في إكماله ، إلى غير ذلك مما يطول إيراده من الشروح التي على الكتب الستة ، وكلها مشروحة .

ومن غريبها ( شرح النسائي ) للإمام أبي الحسن علي بن عبد الله ابن النغمة ، سماه ( الإمعان في شرح مصنف النسائي أبي عبد الرحمن ) . ومن متأخرها شرح ابن ماجه للدميري . ولأبي زرعة ابن المصنف على أبي داود قطعة حافلة ، بل وشرحه بتمامه الشهاب ابن رسلان . وكذا على ابن ماجه لمغلطاي قطعة . وعلى ( الموطأ ) و ( مسند الشافعي ) و ( المصابيح ) و ( المشارق ) و ( المشكاة ) و ( الشهاب ) و ( الأربعين النووية ) و ( تقريب الأحكام ) لخلق ، وما لا ينحصر .

وقد روى ابن عساكر في تأريخه من حديث أبي زرعة الرازي قال : تفكرت ليلة في رجال ، فأريت فيما يرى النائم كأن رجلا ينادي يا أبا زرعة : فهم متن الحديث خير من التفكر في الموتى .

[ ص: 38 ] تتمة : مما قد يتضح به المراد من الخبر معرفة سببه ; ولذا اعتنى أبو حفص العكبري أحد شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ، ثم أبو حامد محمد بن أبي مسعود الأصبهاني ، عرف بكوتاه ، بإفراده بالتصنيف .

وقال ابن النجار في ثانيهما : إنه حسن في معناه لم يسبق إليه . وليس كذلك ، فالعكبري متقدم عليه . وقول ابن دقيق العيد في أثناء البحث التاسع من كلامه على حديث : ( الأعمال بالنيات ) من ( شرح العمدة ) : شرح بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيفه ، كما صنف في أسباب النزول ، فوقفت من ذلك على شيء مشعر بعدم الوقوف على واحد منهما .

وقد أفرده بنوع شيخنا تبعا لشيخه البلقيني ، وعنده في محاسنه من أمثلته الكثير ، ومنها حديث : ( الخراج بالضمان ) . فالجمهور رووه كذلك فقط ، وعند أبي داود وغيره سببه ، وهو أن رجلا ابتاع عبدا ، فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ، ثم وجد به عيبا ، فخاصمه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فرده عليه ، فقال الرجل : يا رسول الله ، إنه قد استغل غلامي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( الخراج بالضمان ) . وأشار إليه الشافعي رحمه الله . والتقيد بالسبب هنا أولى ، وإن أخذ بعمومه جماعة من العلماء من المدنيين والكوفيين .

التالي السابق


الخدمات العلمية