الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 258 ] قال : ( وتنعقد الهبة بقوله وهبت ونحلت وأعطيت ) ; لأن الأول صريح فيه والثاني مستعمل فيه ، قال عليه الصلاة والسلام : { أكل أولادك نحلت مثل هذا }وكذلك الثالث ، يقال أعطاك الله ووهبك الله بمعنى واحد .

[ ص: 259 ] ( وكذا تنعقد بقوله أطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك وأعمرتك هذا الشيء وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحمل الهبة ) أما الأول ; فلأن الإطعام إذا أضيف إلى ما يطعم عينه يراد به تمليك العين ، بخلاف ما إذا قال أطعمتك هذه الأرض حيث تكون عارية ; لأن عينها لا تطعم فيكون المراد أكل غلتها ; وأما الثاني ; فلأن حرف اللام للتمليك ، وأما الثالث فلقوله عليه الصلاة والسلام : { فمن أعمر عمرى فهي للمعمر له ولورثته من بعده }وكذا إذا قال جعلت هذه الدار لك عمري لما قلنا وأما الرابع ; فلأن الحمل هو الإركاب حقيقة فيكون عارية لكنه يحتمل الهبة يقال حمل الأمير فلانا على فرس ويراد به التمليك فيحمل عليه عند نيته . ( ولو قال كسوتك هذا الثوب يكون هبة ) ; لأنه يراد به التمليك .

قال الله تعالى : { أو كسوتهم }ويقال كسا الأمير فلانا ثوبا : أي ملكه منه ( ولو قال [ ص: 260 ] منحتك هذه الجارية كانت عارية ) لما روينا من قبل ( ولو قال داري لك هبة سكنى أو سكنى هبة فهي عارية ) ; لأن العارية محكمة في تمليك المنفعة والهبة تحتملها وتحتمل تمليك العين فيحمل المحتمل على المحكم ( وكذا إذا قال عمري سكنى أو نحلي سكنى أو سكنى صدقة أو صدقة عارية أو عارية هبة ) لما قدمناه ( ولو قال هبة تسكنها فهي هبة ) ; لأن قوله تسكنها مشورة وليس بتفسير له وهو تنبيه على المقصود بخلاف قوله هبة سكنى ; لأنه تفسير له .

التالي السابق


الحديث الثالث : حديث { أكل أولادك نحلت مثل هذا }؟ قلت : أخرجه الأئمة الستة عن { النعمان بن بشير ، قال : إن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أكل ولدك نحلته مثل هذا ؟ قال : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فارجعه } ، زاد مسلم في لفظ : { أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء ؟ قال : بلى ، قال : فلا إذا }انتهى . أخرجه البخاري ، ومسلم في " الهبة " ، وأبو داود في " البيوع " ، والنسائي في " النحل " ، والترمذي ، وابن ماجه في " الأحكام " أخرجوه من غير وجه عن النعمان بن بشير بألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد ، وفي لفظ للدارقطني : أن الذي نحله أبو النعمان للنعمان كان حائطا من نخل ، قال أبو عبيد القاسم بن سلام في " كتاب الأموال " : الحائط هو المخرف ذو النخل والشجر والزرع انتهى .

قال البيهقي في " المعرفة " : في الحديث دلالة على أمور : منها حسن الأدب في أن لا يفضل أحد بعض ولده على بعض [ ص: 259 ] في كل ، فيعرض في قلبه شيء يمنعه من بره ، لأن كثيرا من قلوب الناس جبلت على القصور في البر إذا أوثر عليه ; ومنها أن نحل الوالد بعض ولده دون بعض جائز ، وإلا لكان عطاؤه وتركه سواء ، قال الشافعي : وقد فضل أبو بكر عائشة بنحل ، وفضل عمر ابنه عاصما بشيء أعطاه ، وفضل عبد الرحمن بن عوف ولد أم كلثوم ; ومنها رجوع الوالد في هبته للولد انتهى .

ومذهب أحمد وجوب التساوي بين الولد ، وإن نحل بعضهم وجب الرجوع فيه ، أخذا بظاهر الحديث ، هكذا نقله ابن الجوزي في " التحقيق " ، واستدل للقائلين بعدم وجوبه بما رواه سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { ساووا بين أولادكم في العطية ، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء }انتهى .

ورواه ابن عدي ، وقال : لا أعلم يرويه عنه غير إسماعيل بن عياش ، وهو قليل الحديث ، ورواياته بإثبات الأسانيد لا بأس بها ، ولا أعرف له شيئا أنكر مما ذكرت من حديث عكرمة عن ابن عباس ، وذكره ابن حبان في " الثقات " ، قال في " التنقيح " : وسعيد بن يوسف تكلم فيه أحمد ، وابن معين ، والنسائي انتهى .

الحديث الرابع : قال عليه السلام : { من أعمر عمرى فهي للمعمر له ، ولورثته من بعده }; قلت : أخرجه الجماعة إلا البخاري عن جابر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ ص: 260 ] { من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه ، فقد قطع }. قوله : حقه فيها لمن أعمر ولعقبه ، انتهى . وسيأتي قريبا

.


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث