الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        قال : ( ثم يتوجه إلى عرفات فيقيم بها ) لما روينا وهذا بيان الأولوية . أما لو [ ص: 142 ] دفع قبله جاز لأنه لا يتعلق بهذا المقام حكم . قال في الأصل وينزل بها مع الناس لأن الانتباذ تجبر والحال حال تضرع والإجابة في الجمع أرجى ، وقيل مراده أن لا ينزل على الطريق كي لا يضيق على المارة . قال : ( وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر والعصر فيبتدئ [ ص: 143 ] بالخطبة فيخطب خطبة يعلم فيها الناس الوقوف بعرفة والمزدلفة ورمي الجمار والنحر والحلق وطواف الزيارة يخطب خطبتين يفصل بينهما بجلسة كما في الجمعة ) هكذا فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وقال مالك رحمه الله : يخطب بعد الصلاة لأنها خطبة وعظ وتذكير فأشبه خطبة العيد . ولنا ما روينا ولأن المقصود منها تعليم المناسك والجمع منها ، وفي ظاهر المذهب إذا صعد الإمام المنبر فجلس أذن المؤذنون كما في الجمعة ، وعن أبي [ ص: 144 ] يوسف رحمه الله : أنه يؤذن قبل خروج الإمام . وعنه أنه يؤذن بعد الخطبة والصحيح ما ذكرنا ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج واستوى على ناقته أذن المؤذنون بين يديه ، ويقيم المؤذن بعد الفراغ من الخطبة لأنه أوان الشروع في الصلاة فأشبه الجمعة . قال : ( ويصلي بهم الظهر والعصر في وقت الظهر بأذان وإقامتين ) وقد ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين ، وفيما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاهما بأذان وإقامتين ; ثم بيانه أنه يؤذن للظهر ويقيم للظهر ; ثم يقيم للعصر لأن العصر يؤدى قبل وقته المعهود فيفرد بالإقامة إعلاما للناس ( ولا يتطوع بين الصلاتين ) تحصيلا لمقصود الوقوف ، ولهذا قدم العصر على وقته فلو أنه فعل مكروها وأعاد الأذان للعصر في ظاهر الرواية خلافا لما روي عن محمد رحمه الله ; لأن الاشتغال بالتطوع أو بعمل آخر يقطع فور الأذان الأول فيعيده للعصر ( فإن صلى بغير خطبة أجزأه ) لأن هذه الخطبة ليست بفريضة . قال : ( ومن صلى الظهر في رحله وحده صلى العصر في وقته ) عند أبي حنيفة رحمه الله : وقالا يجمع بينهما المنفرد ، لأن جواز الجمع للحاجة إلى امتداد الوقوف ، والمنفرد محتاج إليه ، ولأبي حنيفة رحمه الله : أن المحافظة على الوقت فرض بالنصوص ، فلا يجوز تركه إلا فيما ورد الشرع به وهو الجمع بالجماعة مع الإمام والتقديم لصيانة الجماعة لأنه يعسر عليهم الاجتماع للعصر بعد ما تفرقوا في الموقف لا لما ذكراه إذ لا منافاة ، ثم عند أبي حنيفة رحمه الله : الإمام شرط في الصلاتين جميعا ، وقال زفر رحمه الله : في العصر خاصة لأنه [ ص: 145 ] هو المغير عن وقته وعلى هذا الخلاف الإحرام بالحج ، ولأبي حنيفة رحمه الله أن التقديم على خلاف القياس عرفت شرعيته فيما إذا كانت العصر مرتبة على ظهر مؤدى بالجماعة مع الإمام في حالة الإحرام بالحج فيقتصر عليه ، ثم لا بد من الإحرام بالحج قبل الزوال في رواية تقديما للإحرام على وقت الجمع ، وفي أخرى يكتفي بالتقديم على الصلاة لأن المقصود هو الصلاة . قال : ( ثم يتوجه إلى الموقف فيقف بقرب الجبل والقوم معه عقيب انصرافهم من الصلاة ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام راح إلى الموقف عقيب الصلاة والجبل يسمى جبل الرحمة والموقف الموقف الأعظم . قال : ( وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة ) لقوله عليه الصلاة والسلام { عرفات كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة ، والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا عن وادي محسر }. [ ص: 146 - 147 ] قال : ( وينبغي للإمام أن يقف بعرفة على راحلته ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام وقف على ناقته ( وإن وقف على قدميه جاز ) والأول أفضل لما بينا ( وينبغي أن يقف مستقبل القبلة ) لأن النبي عليه السلام وقف كذلك ، وقال النبي عليه السلام { خير المواقف ما استقبلت به القبلة }. [ ص: 148 - 149 ] ( ويدعو ويعلم الناس المناسك ) لما روي { أن النبي عليه السلام كان يدعو يوم عرفة مادا يديه كالمستطعم المسكين }. [ ص: 150 ] ( ويدعو بما شاء ) وإن ورد الآثار ببعض الدعوات ، وقد أوردنا تفصيلها في كتابنا المترجم بعدة الناسك في عدة من المناسك بتوفيق الله تعالى . قال : ( وينبغي للناس أن يقفوا بقرب الإمام ) لأنه يدعو ويعلم فيعوا ويسمعوا ( وينبغي أن يقف وراء الإمام ) ليكون مستقبل القبلة ، وهذا بيان الأفضلية لأن عرفات كلها موقف على ما ذكرنا . قال : ( ويستحب أن يغتسل قبل الوقوف بعرفة ، ويجتهد في الدعاء ) أما الاغتسال فهو سنة وليس بواجب ، ولو اكتفى بالوضوء جاز كما في الجمعة والعيدين وعند الإحرام ; وأما الاجتهاد فلأنه عليه الصلاة والسلام اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته فاستجيب له إلا في الدماء والمظالم .

                                                                                                        [ ص: 151 ] ( ويلبي في موقفه ساعة بعد ساعة ) وقال مالك رحمه الله : يقطع التلبية كما يقف بعرفة لأن الإجابة باللسان قبل الاشتغال بالأركان . ولنا ما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة }ولأن التلبية فيه كالتكبير في الصلاة فيأتي بها إلى آخر جزء من الإحرام . قال : ( وإذا غربت الشمس أفاض الإمام والناس معه على هينتهم حتى يأتوا المزدلفة ) لأن النبي عليه الصلاة والسلام دفع بعد غروب الشمس ، ولأن فيه إظهار مخالفة المشركين . [ ص: 152 - 153 ] وكان النبي عليه الصلاة والسلام يمشي على راحلته في الطريق على هينته ، فإن خاف الزحام فدفع قبل الإمام ولم يجاوز حدود عرفة أجزأه لأنه لم يفض من عرفة . والأفضل أن يقف في مقامه كي لا يكون آخذا في الأداء قبل وقتها . [ ص: 154 ] ( فلو مكث قليلا بعد غروب الشمس وإفاضة الإمام لخوف الزحام فلا بأس به ) لما روي " أن عائشة رضي الله عنهابعد إفاضة الإمام دعت بشراب فأفطرت ثم أفاضت " .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث الخامس والثلاثون :

                                                                                                        قال : وإذا زالت الشمس يصلي الإمام بالناس الظهر ، والعصر ، ويبدأ فيخطب خطبة يعني قبل الصلاة ثم قال : هكذا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : تقدم من حديث جابر الطويل أنه عليه السلام خطب بعرفة قبل صلاة الظهر ، ولفظه : { فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها ، حتى إذا زاعت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي ، فخطب الناس ، وقال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، إلى أن قال : ثم أذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم [ ص: 143 ] يصل بينهما شيئا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل رافعا يديه حتى غربت الشمس } ، الحديث .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن يزيد بن هارون أنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما ، قال : { من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح بمنى ، ثم يغدو إلى عرفة حتى إذا زالت الشمس خطب الناس ، ثم صلى الظهر ، والعصر جميعا ، ثم وقف بعرفات حتى تغيب الشمس ، ثم يفيض فيصلي بالمزدلفة ، أو حيث قضى الله ، ثم يقف بجمع ، حتى إذا أسفر دفع قبل طلوع الفجر ، فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب ، حتى يزور البيت }انتهى .

                                                                                                        وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه انتهى .

                                                                                                        حديث لمالك في قوله : " يخطب بعد الصلاة " : أخرجه أبو داود في " سننه " عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس ، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة }انتهى .

                                                                                                        قال عبد الحق في " أحكامه " : وفي حديث جابر { أنه عليه السلام خطب قبل الصلاة } ، وهو المشهور الذي عمل به الأئمة والمسلمون ، وأعله هو ، وابن القطان بعده بابن إسحاق .

                                                                                                        الحديث السادس والثلاثون :

                                                                                                        روي { أنه عليه السلام لما خرج واستوى على ناقته أذن [ ص: 144 ] المؤذن بين يديه } ، قلت : غريب جدا .

                                                                                                        الحديث السابع والثلاثون : قال المصنف رحمه الله : وقد ورد النقل المستفيض باتفاق الرواة بالجمع بين الصلاتين يعني الظهر والعصر قال : وفيما روى جابر أنه عليه السلام صلاهما بأذان وإقامتين ، قلت : تقدم من حديث جابر : { فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، إلى أن قال : ثم أذن ، فأقام ، فصلى الظهر ، ثم أقام ، فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا }. [ ص: 145 ]

                                                                                                        الحديث الثامن والثلاثون : روي أنه عليه السلام راح إلى الموقف عقيب الصلاة ، قلت : هو أيضا في حديث جابر ، { ثم أذن ، وأقام ، فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتى الموقف واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس } ، وتقدم قريبا لأبي داود عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر ، ثم خطب الناس ، ثم راح فوقف على الموقف من عرفة }انتهى .

                                                                                                        الحديث التاسع والثلاثون : قال عليه السلام : { عرفة كلها موقف ، وارتفعوا عن بطن عرنة ، والمزدلفة كلها موقف ، وارتفعوا عن وادي محسر } ، قلت : روي من حديث جابر ، ومن حديث جبير بن مطعم ، ومن حديث ابن عباس ، ومن حديث ابن عمر ، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهم .

                                                                                                        فحديث جابر : أخرجه ابن ماجه في " سننه " أخبرنا هشام بن عمار ثنا القاسم بن عبد الله العمري حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { كل عرفة موقف وارتفعوا عن بطن عرنة ، وكل المزدلفة موقف وارتفعوا عن بطن محسر ، وكل منى منحر إلا ما وراء العقبة }انتهى . والقاسم بن عبد الله بن عمر العمري متروك ، قال ابن حبان في " كتاب الضعفاء " : كان أحمد يرميه بالكذب ، وقال ابن معين : ليس بشيء انتهى . [ ص: 146 ] وأما حديث جبير بن مطعم : فرواه أحمد في " مسنده " حدثنا المغيرة حدثنا سعيد بن عبد العزيز حدثني سليمان بن موسى عن جبير بن مطعم عن النبي عليه السلام ، قال : { كل عرفات موقف ، وارفعوا عن عرنة ، وكل مزدلفة موقف ، وارفعوا عن محسر ، وكل فجاج منى منحر ، وكل أيام التشريق ذبح } ، انتهى .

                                                                                                        قال ابن كثير : هكذا رواه أحمد ، وهو منقطع ، فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يدرك جبير بن مطعم انتهى .

                                                                                                        قلت : رواه ابن حبان في " صحيحه " في النوع الثالث والأربعين ، من القسم الأول : عن سليمان بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم ، فذكره . وكذلك رواه الترمذي في " مسنده " حدثنا يوسف بن موسى ثنا عبد الملك بن عبد العزيز ثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن سليمان بن موسى عن عبد الرحمن بن أبي حسين به ، بلفظ أحمد سواء ، قال البزار : ورواه سويد بن عبد العزيز ، فقال فيه : عن نافع بن جبير عن أبيه ، هو رجل ليس بالحافظ ، ولا يحتج به إذا انفرد بحديث ، وحديث ابن أبي حسين هو الصواب ، مع أن ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم ، وإنما ذكرنا هذا الحديث لأنا لا نحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : في كل أيام التشريق ذبح ، إلا في هذا الحديث ، فكذلك ذكرناه ، وبينا العلة فيه انتهى . ورواه الطبراني في " معجمه " حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد الرقي ثنا زهير بن عباد الرؤاسي ثنا سويد بن عبد العزيز عن سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن نافع بن جبير عن أبيه بنحوه ، ليس فيه أيام التشريق ، ورواه أيضا في " كتاب مسند الشاميين " عن حفص بن غيلان عن سليمان بن موسى عن محمد بن المنكدر عن جبير بن مطعم مرفوعا كذلك .

                                                                                                        وأما حديث ابن عباس : فرواه الطبراني في " معجمه " حدثنا محمد بن يحيى بن مالك الأصبهاني حدثنا صالح بن مسمار ثنا معن بن عيسى ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا : { عرفة كلها موقف ، وارفعوا عن بطن عرنة ، والمزدلفة كلها موقف وارفعوا عن بطن محسر }انتهى .

                                                                                                        ورواه الحاكم في " المستدرك " ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ويراجع . [ ص: 147 ] وأما حديث ابن عمر : فأخرجه ابن عدي في " الكامل " عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن عبيد الله ، وعبد الله ابني عمر عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث ابن عباس ، قال ابن عدي : لا يرويه بهذا الإسناد إلا عبد الرحمن بن عبد الله العمري ، ثم أسند تضعيفه عن البخاري ، والنسائي ، وأحمد ، وابن معين ، ووافقهم .

                                                                                                        وأما حديث أبي هريرة : فأخرجه ابن عدي أيضا عن يزيد بن عبد الملك النوفلي عن داود بن فراهيج عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام ، نحوه سواء ، وأعله بيزيد بن عبد الملك ، وقال : عامة ما يرويه غير محفوظ ، ونقل عن النسائي أنه قال فيه : متروك الحديث انتهى .

                                                                                                        الحديث الأربعون : روي أنه عليه السلام وقف على ناقته ، قلت : تقدم ذلك في حديث جابر ، { ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل حبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهب الصفرة قليلا ، حتى غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ، كلما أتى حبلا من الجبال أرخى لها قليلا ، حتى تصعد ، ثم أتى المزدلفة } ، الحديث . وأخرج البخاري ، ومسلم في " الصوم " عن أم الفضل بنت الحارث { أن ناسا اختلفوا عندها في صوم النبي عليه السلام يوم عرفة ، فقال بعضهم : هو صائم ، وقال بعضهم : ليس بصائم ، فأرسلت إليه بقدح لبن ، وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه } ، انتهى .

                                                                                                        الحديث الحادي والأربعون : روي { أنه عليه السلام وقف على ناقته مستقبل القبلة } ، قلت : هو أيضا في حديث جابر ، كما تقدم قبله .

                                                                                                        الحديث الثاني والأربعون : قال عليه السلام : { خير المواقف ما استقبلت به القبلة } ، قلت : غريب بهذا اللفظ ، وأخرج الحاكم في " المستدرك في كتاب الأدب " عن أبي المقدام هشام بن زياد عن محمد بن كعب القرظي ، حدثني ابن عباس عن النبي عليه السلام ، [ ص: 148 ] قال : { إن لكل شيء شرفا ، وإن شرف المجالس ما استقبل به القبلة ، وإنما المجالس بالأمانة ، ولا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث ، واقتلوا الحية والعقرب وإن كنتم في الصلاة ، ولا تستروا الجدر بالثياب ، ومن نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينظر في النار ، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله ، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ، ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : من نزل وحده ، ومنع رفده ، وجلد عبده ، قال : أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : من يبغض الناس أو يبغضونه ، قال : أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : بلى ، قال : من لم يقل عثرة ، ولم يقبل معذرة ، ولم يغفر ذنبا ، قال : أفأنبئكم بشر من هذا ؟ قالوا : بلى ، قال : من لا يرجى خيره ، ولا يؤمن شره ، إن عيسى ابن مريم عليه السلام ، قام في قومه ، فقال : يا بني إسرائيل لا تتكلموا بالحكمة عند الجاهل فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، ولا تظلموا ، ولا تكافئوا ظالما بظلم ، فيبطل فضلكم عند ربكم ، يا بني إسرائيل الأمر ثلاثة : أمر بين رشده فاتبعوه ، وأمر بين غيه فاجتنبوه ، وأمر اختلف فيه فكلوه إلى عالمه }انتهى .

                                                                                                        وسكت الحاكم عنه ، وتعقبه الذهبي في " مختصره " ، فقال : وهشام بن زياد متروك ، انتهى .

                                                                                                        وعن الحاكم رواه البيهقي في " كتاب الزهد " بسنده ومتنه ، ثم قال : وهشام بن زياد تكلموا فيه بسبب هذا الحديث ، وكان يقول ، أولا : حدثني يحيى عن محمد بن كعب ، ثم ذكر بعد أن سمعه من محمد بن كعب ، قال : وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي ثنا أبي حدثني عبد الرحمن الضبي عن القاسم بن عروة عن محمد بن كعب القرظي حدثني عبد الله بن عباس يرفع الحديث إلى النبي عليه السلام ، فذكر بنحوه ، بتقديم وتأخير ، ورواه ابن عدي ، والعقيلي في " كتابيهما " ، وأعلاه بهشام بن زياد ، وأسند ابن عدي تضعيفه عن البخاري ، والنسائي ، وأحمد ، وابن معين ، ووافقهم ، وقال : إن الضعف على رواياته بين انتهى . قال العقيلي : ليس لهذا الحديث طريق يثبت انتهى .

                                                                                                        وقال ابن طاهر : هشام بن زياد ممن أجمع على ضعفه ، وترك حديثه ، وقد رواه صالح بن حماد عن محمد بن كعب [ ص: 149 ] وصالح من أهل المدينة متروك الحديث ، ولعله سرقه من هشام ، فإنه به أشهر ، وبه يعرف انتهى .

                                                                                                        وأخرجه العقيلي أيضا عن تمام بن بزيع عن محمد بن كعب به ، وضعف تماما عن جماعة ، وأخرجه أيضا عن عيسى بن ميمون عن محمد بن كعب به ، وأسند عن البخاري : قال في عيسى هذا : منكر الحديث .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه أبو يعلى الموصلي في " مسنده " ، والطبراني في " معجمه الأوسط " من حديث حمزة بن أبي حمزة النصيبي عن نافع عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أكرم المجالس ما استقبل به القبلة } ، ورواه ابن عدي في " الكامل " ، وأعله بحمزة النصيبي ، وقال : إنه يضع الحديث ، ورواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في " تاريخ أصبهان في باب العين المهملة " من حديث محمد بن الصلت عن ابن شهاب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا : { خير المجالس ما استقبل به القبلة }.

                                                                                                        الحديث الثالث والأربعون : روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو يوم عرفة مادا يديه ، كالمستطعم المسكين } ، قلت : أخرجه البيهقي في " سننه " عن ابن عباس : { رأيته عليه السلام يدعو بعرفة يداه إلى صدره ، كالمستطعم المسكين } ، ورواه البزار في " مسنده " حدثنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا عبادة ثنا ابن جريج عن الحسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس عن الفضل ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفة ، مادا يديه ، كالمستطعم } ، أو كلمة نحوها ، قال : ولا نعلم له طريقا عن الفضل إلا هذا الطريق انتهى .

                                                                                                        ورواه ابن عدي في " الكامل " وأعله بحسين بن عبد الله ، وأسند تضعيفه عن ابن معين ، والنسائي ، وابن المديني ، قال ابن عدي : هو حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي مديني ، يكنى أبا عبد الله ، يروي عن عكرمة ، وعنه ابن إسحاق ، وابن جريج ، وغيرهما ، ثم قال : وهو ممن يكتب حديثه ، فإني لم أجد له حديثا منكرا جاوز المقدار ، انتهى .

                                                                                                        [ ص: 150 ] قوله : ويدعو بما شاء ، وإن ورد الآثار ببعض الدعوات ، قلت : . . . الحديث الرابع والأربعون :

                                                                                                        روي أنه عليه السلام اجتهد في الدعاء في هذا الموقف لأمته ، فاستجيب له ، إلا في الدماء ، والمظالم ، قلت : أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن عبد القاهر بن السري عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس عن أبيه كنانة عن أبيه عباس بن مرداس أن { النبي عليه السلام دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة ، فأجيب : إني قد غفرت لهم ، ما خلا المظالم ، فإني آخذ للمظلوم منه ، قال : رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة ، وغفرت للظالم ، فلم يجبه عشيته ، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء ، فأجيب إلى ما سأل ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال : فتبسم ، فقال أبو بكر ، وعمر : بأبي أنت وأمي ، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها ، فما الذي أضحكك ، أضحك الله سنك ؟ قال : إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي ، وغفر لأمتي أخذ التراب فجعل يحثوه على رأسه ، ويدعو بالويل والثبور ، فأضحكني ما رأيت من جزعه }انتهى . ورواه الطبراني في " معجمه " وعبد الله بن أحمد بن حنبل في " مسند أبيه " ، وأبو يعلى الموصلي في " مسنده " ، ورواه ابن عدي في " الكامل " ، وأعله بكتابه ، وأسند عن البخاري أنه قال : كنانة روى عن أبيه لم يصح . وقال ابن حبان في " كتاب [ ص: 151 ] الضعفاء " : كنانة بن العباس بن مرداس أسلمي يروي عن أبيه ، وروى عنه ابنه ، منكر الحديث جدا ، فلا أدري التخليط في حديثه منه أو من أبيه ، ومن أيهما كان ، فهو ساقط الاحتجاج بما روى ، وذلك لعظم ما أتى من المناكير عن المشاهير انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : روى ابن الجوزي في " الموضوعات " من طريق الطبراني ثنا إسحاق بن إبراهيم الديري حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عمن سمع قتادة يقول : ثنا خلاس بن عمرو عن عبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرفة : { أيها الناس إن الله تطول عليكم في هذا اليوم ، فغفر لكم ، إلا التبعات فيما بينكم ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، وأعطى محسنكم ما سأل ، فادفعوا باسم الله ، وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم ، فإذا نزلت المغفرة دعا هو وجنوده بالويل والثبور } ، ثم قال : هذا حديث لا يصح ، والراوي عن قتادة مجهول ، وخلاس ليس بشيء ، قال أيوب : لا ترووا عنه ، فإنه صحفي انتهى كلامه .

                                                                                                        الحديث الخامس والأربعون : روي أن { النبي صلى الله عليه وسلم ما زال يلبي حتى أتى جمرة العقبة } ، قلت : أخرجه الأئمة الستة في " كتبهم " عن الفضل بن العباس أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة }انتهى . وزاد فيه ابن ماجه ، { فلما رماها قطع التلبية }.

                                                                                                        الحديث السادس والأربعون : روي { أنه عليه السلام دفع من عرفة بعد غروب [ ص: 152 ] الشمس } ، قلت : فيه أحاديث : منها ما أخرجه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه عن سفيان عن عبد الرحمن بن الحارث عن زيد بن علي عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، قال : { وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، فقال : هذه عرفة كلها موقف ، ثم أفاض حين غربت الشمس ، وأردف خلفه أسامة بن زيد ، وجعل يشير بيده على هينته ، والناس يضربون يمينا وشمالا ، يلتفت إليهم ، ويقول : أيها الناس السكينة } ، الحديث . قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، لا نعرفه عن علي إلا من هذا الوجه انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : تقدم في حديث جابر الطويل : { فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس } ، إلى أن قال . { ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء } ، الحديث .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه أبو داود في " سننه " ثنا أحمد بن حنبل حدثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني إبراهيم بن عقبة عن كريب عن { أسامة ، قال : كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وقعت الشمس دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم }انتهى . قال في " التنقيح " : هذا إسناد حسن ، انفرد به أبو داود انتهى .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه الحاكم في " المستدرك " عن عبد الوارث بن سعيد عن ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة ، قال : { خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا الموضع إذا كانت الشمس على رءوس الجبال ، كأنها عمائم الرجال على رءوسها ، وإنما ندفع بعد أن تغيب ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام ، إذا كانت الشمس منبسطة }انتهى .

                                                                                                        وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، قال : فقد صح بهذا سماع المسور بن مخرمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أن له رؤية بلا سماع ، وذكر أحاديث أخرى في ذلك ، والله أعلم ، وهذا الحديث رواه الشافعي ، ثم البيهقي من جهته أنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن محمد بن قيس بن مخرمة ، قال : { خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أهل الجاهلية كانوا لا يدفعون من عرفة حتى تكون الشمس ، كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب الشمس ، ومن المزدلفة بعد [ ص: 153 ] طلوع الشمس حتى تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم ، ندفع من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس ، هدينا مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك } ، انتهى .

                                                                                                        قال الشيخ في " الإمام " : وهو مرسل ، فإن محمد بن قيس بن مخرمة تابعي سمع عائشة ، وروي عن أبي هريرة ، وأظن أن ابن جريج عنه منقطع أيضا ، فإن ابن جريج روى عن ابن عبد الله بن كثير ، وذكر أبو إسحاق الشيرازي هذا الحديث في " المهذب " عن المسور بن مخرمة ، وهو سهو منه ، وإنما هو محمد بن قيس بن مخرمة انتهى .

                                                                                                        قلت : ليس ما قاله أبو إسحاق سهوا ، فقد أخرجه الحاكم ، وعنه البيهقي في " سننه " من حديث المسور بن مخرمة ، كما ذكرناه .

                                                                                                        وقوله : وفي رواية لابن جريج أخبرني من سمع محمد بن قيس بن مخرمة هذه الرواية عند ابن أبي شيبة في " مصنفه " فقال : حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن ابن جريج ، قال : أخبرت عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أن النبي عليه السلام خطب بعرفة ، فذكره .

                                                                                                        { حديث آخر } : رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي ثنا غسان بن الربيع حدثنا جعفر بن ميسرة عن أبيه عن ابن عمر ، قال : { كان المشركون لا يفيضون من عرفات حتى تعمم الشمس على رءوس الجبال ، فتصير في رءوسها كعمائم الرجال في وجوههم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يفيض حتى تغرب ، وكان المشركون لا يفيضون من جمع حتى يقولون : أشرق ثبير ، فلا يفيضون حتى تصير الشمس في رءوس الجبال كعمائم الرجال في وجوههم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفيض قبل أن تطلع الشمس }انتهى .

                                                                                                        الحديث السابع والأربعون : روي أنه عليه السلام كان يمشي على راحلته في [ ص: 154 ] الطريق يعني طريق المزدلفة على هينته ، قلت : تقدم في حديث جابر الطويل ، { ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شنق للقصواء الزمام ، حتى رأسها ليصيب مورك رحله ، وهو يقول بيده اليمنى : أيها الناس ، السكينة السكينة ، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، حتى أتى المزدلفة } ، الحديث . وأخرج مسلم أيضا عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفة ، وأسامة ردفه ، قال أسامة : فما زال يسير على هينته حتى أتى جمعا } ، انتهى .

                                                                                                        وأخرج أيضا { عن الفضل بن عباس وكان رديف النبي عليه السلام أنه قال في عشية عرفة ، وغداة جمع للناس حين دفعوا : عليكم بالسكينة ، وهو كاف ناقته ، حتى دخل محسرا ، وهو من منى ، قال : عليكم بحصى الخذف الذي ترمى به الجمرة ، وقال : لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي حتى أتى الجمرة }انتهى .

                                                                                                        وتقدم لأبي داود ، والترمذي ، وابن ماجه عن علي ، قال : { وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة ، فقال : هذه عرفة ، وعرفة كلها موقف ، ثم أفاض حتى غربت الشمس ، وأردف أسامة بن زيد ، وجعل يشير بيده على هينته ، والناس يضربون يمينا وشمالا ، يلتفت إليهم ، ويقول : أيها الناس ، عليكم السكينة } ، الحديث ، وصححه الترمذي .

                                                                                                        قوله : روي أن عائشة رضي الله عنهادعت بشراب بعد إفاضة الإمام فأفطرت ، ثم أفاضت ، قلت : رواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " حدثنا أبو خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة أنها كانت تدعو بشراب فتفطر ، ثم تفيض انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية