الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 169 ] قال : ( ثم يذبح إن أحب ثم يحلق أو يقصر ) لما روي عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال { إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نرمي ثم نذبح ثم نحلق }ولأن الحلق من أسباب التحلل وكذا الذبح حتى يتحلل به المحصر فيقدم الرمي عليهما ثم الحلق من محظورات الإحرام فيقدم عليه الذبح ، وإنما علق الذبح بالمحبة لأن الدم الذي يأتي به المفرد تطوع ، والكلام في المفرد .

( والحلق أفضل ) لقوله عليه الصلاة والسلام { رحم الله المحلقين }الحديث ظاهر بالترحم عليهم ، ولأن الحلق أكمل في قضاء التفث وهو المقصود ، وفي التقصير بعض التقصير فأشبه الاغتسال مع الوضوء . [ ص: 170 ] ويكتفي في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله [ ص: 171 ] عليه الصلاة والسلام . والتقصير أن يأخذ من رءوس شعره مقدار الأنملة ( وقد حل له كل شيء إلا النساء ) وقال مالك رحمه الله : وإلا الطيب أيضا لأنه من دواعي الجماع . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام فيه { حل له كل شيء إلا النساء }وهو مقدم على القياس ( ولا يحل له الجماع فيما دون الفرج عندنا ) خلافا للشافعي رحمه الله لأنه قضاء الشهوة بالنساء ، فيؤخر إلى تمام الإحلال ( ثم الرمي ليس من أسباب التحلل عندنا ) خلافا للشافعي رحمه الله . هو يقول إنه يتوقت بيوم النحر كالحلق فيكون بمنزلته في التحليل . ولنا أن ما يكون محللا يكون جناية في غير أوانه كالحلق ، والرمي ليس بجناية في غير أوانه بخلاف الطواف لأن التحلل بالحلق السابق لا به .

التالي السابق


الحديث الثاني والستون : قال عليه السلام : { إن أول نسكنا هذا أن نرمي ، ثم نذبح ، ثم نحلق أو نقصر } ، قلت : غريب ، وأخرج الجماعة إلا ابن ماجه عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منى ، فأتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى فنحر ، ثم قال للحلاق : خذ ، وأشار إلى جانبه الأيمن ، ثم الأيسر ثم جعل يعطيه الناس }انتهى .

الحديث الثالث والستون : قال عليه السلام : { رحم الله المحلقين } ، قلت : أخرجه البخاري ، ومسلم عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { رحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : رحم الله المحلقين ؟ قالوا : والمقصرين [ ص: 170 ] يا رسول الله ؟ قال : رحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله ؟ قال : والمقصرين }انتهى . وفي رواية للبخاري : فلما كانت الرابعة ، قال : " والمقصرين " ، وأخرج مسلم عن أم الحصين أنها سمعت { النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع دعا للمحلقين والمقصرين واحدة }انتهى .

وذكر الواقدي في " المغازي " أنه عليه السلام قال في عمرة الحديبية ، فقال : حدثني يعقوب بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أم عمارة ، قالت : فأنا أنظر إلى { النبي عليه السلام حين فرغ من نحر البدن ، فدخل قبة له حمراء ، فيها الحلاق ، فحلق رأسه ، فأنظر إليه قد أخرج رأسه من قبته ، وهو يقول : رحم الله المحلقين ، قيل : يا رسول الله ، والمقصرين ؟ قال : رحم الله المحلقين ثلاثا ، ثم قال : والمقصرين }انتهى .

ومن أحاديث الباب : ما أخرجه البخاري ، ومسلم عن نافع عن ابن عمر أن { النبي صلى الله عليه وسلم حلق رأسه في حجة الوداع }انتهى .

وأخرج البخاري أيضا عن ابن عباس عن { معاوية ، قال : قصرت عن النبي عليه السلام بمشقص على المروة } ، وزاد أبو داود لحجته ، قال : المنذري : أي لعمرته ، ففي لفظ للنسائي : في عمرة على المروة ، والعمرة قد تسمى حجا ، لأن معناه القصد ، وقد { قالت : حفصة للنبي عليه السلام : ما بال الناس حلوا وأنت لم تحلل من عمرتك } ، معناه من حجتك انتهى .

الحديث الرابع والستون : قال المصنف : ويكتفى في الحلق بربع الرأس اعتبارا بالمسح ، وحلق الكل أولى اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : أخرج الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن سيرين عن أنس بن مالك ، قال : { لما رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمرة ونحر نسكه ، وحلق ، ناول الحالق بشقه الأيمن فحلقه ، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ، ثم ناوله الشق الآخر ، فقال : احلق فحلقه ، فأعطاه أبا طلحة ، فقال : اقسمه بين الناس } ، انتهى .

ووهم الحاكم في " المستدرك " ، فرواه ، وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه ، ولم يعقبه الذهبي في ذلك ، وتقدم عند البخاري ، ومسلم عن ابن عمر أن { النبي عليه السلام حلق رأسه في حجة الوداع } ، وهذا اللفظ يشعر بجميع الرأس ، إذ لا يقال : حلق رأسه لمن حلق بعضها . [ ص: 171 ]

الحديث الخامس والستون : { قال عليه السلام : فيمن رمى . ثم ذبح ثم حلق : حل له كل شيء إلا النساء } ، قلت : أخرجه أبو داود عن حجاج بن أرطاة عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا رمى أحدكم جمرة العقبة ، فقد حل له كل شيء إلا النساء }انتهى . قال أبو داود : هذا حديث ضعيف ، الحجاج بن أرطاة لم ير الزهري . ولم يسمع منه شيئا انتهى .

ورواه ابن أبي شيبة ثنا وكيع عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة ، فذكره سواء ، ورواه الدارقطني في " سننه " من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عمرة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا رميتم ، وحلقتم ، وذبحتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء }انتهى . قال الدارقطني : لم يروه غير الحجاج بن أرطاة .

{ حديث آخر } : أخرجه النسائي ، وابن ماجه عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس ، قال : { إذا رميتم الجمرة ، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء ، فقال رجل : يا أبا العباس والطيب ؟ قال : أما أنا فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك ، أفطيب هو أم لا }؟ انتهى .

{ حديث آخر } : أخرجه أحمد في " مسنده " ، والحاكم في " المستدرك " عن محمد [ ص: 172 ] بن إسحاق ثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه ، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة أنهما حدثاه عن أم سلمة { عن النبي عليه السلام أنه قال عشية يوم النحر : إن هذا يوم رخص لكم ، إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم عنه إلا النساء } ، مختصر ، وأخرجه أبو داود في " سننه " كذلك ، ولفظه : قالت : { كانت ليلتي التي يصير إلي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر ، فصار إلي فدخل علي وهب بن زمعة ، ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين ، فقال عليه السلام لوهب : هل أفضت أبا عبد الله ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، قال : انزع عنك القميص ؟ فنزعه عن رأسه ، ونزع صاحبه قميصه من رأسه ، ثم قال : ولم يا رسول الله ؟ قال : إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرما ، كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة ، حتى تطوفوا به }انتهى .

أحاديث الخصوم : أخرج الحاكم في " المستدرك " عن يزيد بن هارون أنا يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير ، قال : { من سنة الحج : إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه ، إلا النساء والطيب حتى يزور البيت } ، مختصر . وقال : على شرط الشيخين ، وتقدم بتمامه في الحديث الخامس والثلاثين ، واستدل الشيخ في " الإمام " لمالك أيضا في تحريم الطيب بما رواه سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، قال : قال عمر بن الخطاب : إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم ما حرم ، إلا النساء والطيب ، ثم قال : هذا منقطع ، فإن عمرو بن دينار لم يسمع من عمر ، ثم احتج عليه بما أخرجه البخاري ، ومسلم عن القاسم عن { عائشة ، قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبيل أن يحرم ، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك }. وأخرجه مسلم عن { عمرة عنها ، قالت : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، ولحله قبل أن يفيض }انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث