الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

619 579 - مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ; أنه قال لعمر بن الخطاب : إن في الظهر ناقة عمياء . فقال عمر : ادفعها إلى أهل بيت ينتفعون بها . قال ، فقلت : وهي عمياء ؟ فقال عمر : يقطرونها بالإبل . قال فقلت : كيف تأكل من الأرض ؟ قال فقال عمر : أمن نعم الجزية هي أم من نعم الصدقة ؟ فقلت : بل من نعم الجزية . فقال عمر أردتم والله أكلها . فقلت : إن عليها وسم الجزية . فأمر بها عمر فنحرت . [ ص: 304 ] وكان عنده صحاف تسع فلا تكون فاكهة ولا طريفة إلا جعل منها في تلك الصحاف فبعث بها إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون الذي يبعث به إلى حفصة ابنته من آخر ذلك ، فإن كان فيه نقصان ، كان في حظ حفصة . قال : فجعل في تلك الصحاف من لحم تلك الجزور . فبعث به إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بما بقي من لحم تلك الجزور ، فصنع . فدعا عليه المهاجرين والأنصار .

التالي السابق


13412 - قال مالك : لا أرى أن تؤخذ النعم من أهل الجزية إلا في جزيتهم .

13413 - أما قوله : " إن في الظهر ناقة عمياء " فإنه يعني أن في الإبل التي من مال الله وهي التي جاءت من الصدقة ناقة عمياء : كلمة ( عميت ) معلومة أنها عمياء إذا أخذها من له أخذها ، فظن عمر أنها من نعم الصدقة وأمر أن يعطاها أهل بيت فقراء ينتفعون بلبنها وتحميلها إن شاءوا ; لأن الصدقة وجد فيها أسنان الإبل في فرائضها فلا يوجد في الجزية إلا كما يوجد العروض بالغنيمة فلما علم عمر رضي الله عنه أنها من نعم الجزية حمله الإشفاق والحذر على أن قال ما قال ، وعلم أسلم فحوى كلامه ومعناه فلم ينل ذلك فقال له : " إن عليها وسم الجزية " كأنه زاده تعريفا واستظهارا عن جوابه في تبيين أنهم أرادوا أكلها .

[ ص: 305 ] 13414 - ويحتمل أن يكون فيه حرجا على عادة العرب في روح كلامها : لا والله ، وبلى والله ، وهو المتبع عند أكثر أهل العلم .

13415 - وفي قوله : " كيف تأكل من الأرض " يعني وهي عمياء لا ترعى ، دليل على أنها مما لا بد من نحرها ، وأنه لا ينتفع في غير ذلك بها .

13416 - وأمر بها عمر فنحرت وقسمها قسمته العادلة على الأغنياء وأهل السابقة ، على المعروف من مذهبه في تفضيلهم في قسمته الفيء عليهم .

13417 - وعلى ذلك كان عثمان رضي الله عنه .

13418 - وكان تفضيله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا نبيلا لموضعهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم من سائر المسلمين ؛ لأنهن أمهاتهم .

13419 - وأما علي فذهب في قسمة الفيء إلى التسوية إلى أهل السابقة وغيرهم على ما كان عليه أبو بكر في ذلك .

13420 - روى معن بن عيسى ، قال : حدثني أسامة بن زيد ، عن زيد بن أسلم ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قسم أبو بكر رضي الله عنه للرجل عشرة ، ولزوجه عشرة ، ولعبده عشرة ، ولخادم زوجته عشرة ، ثم قسم السنة المقبلة لكل واحد منهم عشرين عشرين .

13421 - وروي عن ابن أبي ذئب ، عن خالد بن الحارث بن عبد الرحمن [ ص: 306 ] بن أبي مرة مولى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، قال : قسم لي أبو بكر مثل ما قسم لسيدي .

13422 - والأحاديث عن أبي بكر في تسويته في قسمه الفيء بين العبد والحر والشريف والمضروب ، والرفيع والوضيع كثيرة لا تختلف عنه في ذلك .

13423 - وكذلك سيرة علي رضي الله عنه ، والآثار عنه أيضا بذلك كثيرة لا تختلف .

13424 - ذكر أبو زيد عمر بن شبة ، قال : حدثنا حيان بن بشر قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا قيس ، عن أبي إسحاق ، قال : كان عمر يفضل في العطاء وكان علي لا يفضل .

13425 - قال عمر بن شبة : وحدثني محمد بن جبير ، قال : حدثنا إبراهيم بن المختار ، قال : حدثنا عنبة بن الأزهر ، عن يحيى بن عقيل الخزاعي .

[ ص: 307 ] عن أبي يحيى قال : قال علي رضي الله عنه : إني لم أعن بتدوين عمر الدواوين ولا تفضيله ، ولكني أفعل كما كان خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . كان يقسم ما جاءه بين المسلمين ، ثم يأمر ببيت المال فينضح ويصلي فيه .

13426 - قال : حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا خالد بن أبي عمرو ، قال : حدثنا أنس بن سيرين : أن عليا رضي الله عنه كان يقسم الأموال حتى يفرغ بيت المال فيرش له ، فيجلس فيه .

13427 - قال حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا سليمان بن مسلم العجلي قال : سمعت أبي يذكر أنه شهد عليا أعطى أربعة أعطيات في سنة واحدة ، ثم نضح بيت المال ، فصلى فيه ركعتين .

13428 - وأما عمر ، وعثمان - رضي الله عنهما - فكانا يفضلان .

13429 - وكان عمر أول من دون الدواوين : ففضل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس أجمعين ; ففرض لهن اثني عشر ألف درهم ، وفرض لأهل بدر [ ص: 308 ] المهاجرين خمسة آلاف درهم . وللأنصار البدريين أربعة آلاف .

13430 - وقد روي عنه من وجوه أيضا أنه فضل العباس وعليا ، وألحق الحسن والحسين في أربعة آلاف .

13431 - وقيل إنه ألحق أسامة بن زيد ، ومحمد بن عبد الله بن جحش ، وعمر بن أبي سلمة بهما .

13432 - وجعل عبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف فكلمه في ذلك ، وقال : شهدت ما لم يشهد أسامة ، وما شهد مشهدا إلا شهدته فلم فضلته علي ؟ فقال : كان أبوه أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ، وكان أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك .

13433 - وقد روي أنه لم يفرد لأسامة ومحمد بن عبد الله بن جحش وعمر بن أبي سلمة إلا ألفين .

13434 - والآثار عنه في قسمته وسيرته في الفيء وتفضيله كثيرة لم تختلف في التفضيل ، ولكنها اختلفت في مبلغ العطاء ، ولم تختلف الآثار عنه فيما علمت أنه فرض لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا ، ولكنه لم يلحق [ ص: 309 ] بهن أحدا .

13435 - وروي عنه أنه جعل العباس في عشرة آلاف .

13436 - وذكر عمر قال : حدثنا محمد بن حاتم ، قال : حدثنا علي بن ثابت ، قال : حدثني موسى بن ثابت بن عيينة ، عن إسماعيل بن عمر ، قال : لما فرض عمر بن الخطاب الديوان جاء طلحة بن عبيد الله بنفر من بني تميم ليفرض لهم ، وجاءه رجل من الأنصار بغلام مصفر سقيم ، فقال عمر للأنصار : من هذا الغلام ؟ قالوا : هذا ابن أخيك هذا ابن أنس بن النضر ، قال عمر : مرحبا وأهلا وضمه إليه ، وفرض له ألفا . فقال له طلحة : يا أمير المؤمنين انظر في أصحابي هؤلاء . قال : نعم يفرض له في ستمائة ستمائة ، فقال طلحة : والله ما رأيتك كاليوم ، أي شيء هذا ؟ ! فقال عمر : أنت يا طلحة تظنن أني أنزل هؤلاء منزلة هذا . هذا ابن من جاءنا يوم أحد أنا وأبو بكر وقد أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل ، فقال : يا أبا بكر ويا عمر : ما لي أراكما واجفان ; إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فإن الله حي لا يموت ، ثم ولى بسيفه فضرب عشرين ضربة عدها في وجهه . . . ، ثم قتل شهيدا . وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف أجعل ابن من قاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن من قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 310 ] معاذ الله أن نجعله بمنزلة سواء .

13437 - قال أبو عمر : كان يفضل أهل السوابق ومن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة ومنزلة في العطاء .

13438 - وكان أبو بكر يقول : أجر أولئك على الله .

13439 - وأما ما جاء في تفضيله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الناقة العمياء ، وأنه لم يطبخ للمهاجرين والأنصار منها إلا ما فضل عنهن ، فهذه كانت سيرته في قسمته المال على أهله .

13440 - والجزية ركن من أركان الفيء ، والفيء حلال للأغنياء بإجماع من العلماء .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث