الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن تخرق من مقدم الخف شيء بان منه بعض الرجل وإن قل ، لم يجزه أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم وإن كان خرقه من فوق الكعبين لم يضره ذلك " .

قال الماوردي : اعلم أن خرق الخف لا يخلو من أن يكون في موضع القدم ، أو في غيره ، فإن كان الخرق في غير موضع القدم وهو أن يكون من فوق الكعبين في ساق الخف ، فجائز أن يمسح عليه مع هذا الخرق : لأنه لو لبس خفا لا ساق له جاز المسح عليه إذا كان ساترا لجميع القدم ، روى أبو عبد الرحمن أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالا عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال كان يخرج يقضي حاجته فآتيه بالماء ، فيتوضأ ويمسح على عمامته وموقيه ، والموقان : خفان قصيران ليس لهما ساق ، فإن كان الخرق في موضع القدم فقد اختلف الناس في جواز المسح عليه ، فقال مالك : إن لم يتفاحش الخرق جاز المسح عليه ، وإن تفاحش لم يجز ، وبه قال الشافعي في القديم ، وقال الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور يمسح ما أمكن المشي عليه فإن لم يمكن لم يجز ، وقال أبو حنيفة يمسح إن كان الخرق أقل من ثلاث أصابع ، فإن كان ثلاث أصابع فأكثر لم يجز وقال أبو يوسف : سألت أبا حنيفة عن الفرق بينهما فقال : لأن الثلاث أكثر الأصابع ، وقال الشافعي في الجديد : لا [ ص: 363 ] يمسح عليه إذا ظهر من الخرق شيء من القدم ، وإن قل ، واستدل من أجاز المسح عليه مع خرقه بحديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما " ، فكان على عمومه فيما أطلق اسم الخف عليه ، قالوا : ولأنه خرق لا يبيح لبسه في الإحرام ، فلم يمنع من جواز المسح عليه في الوضوء ، قياسا على خروق الخرز ، ولأن إباحة المسح على الخفين ، رفق وترفيه ، لأن الحاجة داعية إلى لبسه والمشقة لاحقة في نزعه ، فلو كانت خروق الخف تمنع من لبسه وتدعو إلى نزعه وهو الغالب من أنواع الخفاف لزال معنى الرفق بالتغليظ ، والترفيه بالمشقة .

ودليلنا عموم قوله عز وجل : فاغسلوا وجوهكم إلى قوله : وأرجلكم إلى الكعبين [ المائدة : 6 ] فكان عمومها يوجب غسل الرجلين إلا ما قام دليله من المسح على خفين صحيحين ، ولأن ظهور الأصابع يمنع من جواز المسح كما لو نزع أحد الخفين ، ولأن كل حكم تعلق بجميع القدم تعلق ببعض القدم قياسا على غسلهما عند ظهورهما ، ولأن ما يبطل حكم المسح يستوي حكم وجوده في بعض القدمين وفي جميع القدمين أصله : انقضاء مدة المسح عند غسل بعض الأعضاء ، ولأن جواز المسح يتعلق بالطهارة وباستتار الرجلين في الخفين ، فلما كان ترك بعض أعضاء الطهارة مانعا من جواز المسح كان ترك بعض المسح مانعا من جواز المسح وتحريره قياسا أنه أحد شرطي المسح فوجب أن يكون ترك بعضه كترك جميعه في المنع من المسح كالطهارة ، ولأنه لما كان ظهور أحد الرجلين مانعا من جواز المسح على الأخرى تغليبا لحكم الغسل كان طهور بعض الرجل بالمنع من مسح الباقي منهما أولى ، فأما استدلالهم بالخبر فمخصوص .

وأما قياسهم على خروق الخرز فالجواب عنه من وجهين :

أحدهما : أن خروق الخرز لا يرى منها خف ، وليس كذلك ما سواه .

والثاني : أنه - خرق الخرز - ينسد بما يدخلها مثل الخيوط فلا يظهر منها شيء من القدم وليس كذلك ما سواه .

وأما استدلالهم بالحاجة إلى لبسها والمشقة في نزعها فالجواب عنه أن الخف إذا تخرق امتنع في الغالب من لباسه ، وإنما يلبس من الخفاف غالبا ما كان صحيحا منها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث