الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل هل يتقدر المغرب بالفعل أو بالعرف

مسألة : قال الشافعي : " والوقت الآخر هو وقت العذر والضرورة ، فإذا أغمي على رجل فأفاق ، وطهرت امرأة من حيض أو نفاس ، وأسلم نصراني ، وبلغ صبي قبل مغيب الشمس بركعةأعادوا الظهر والعصر ، وكذلك قبل الفجر بركعة أعادوا المغرب والعشاء ، وكذلك قبل طلوع الشمس بركعة أعادوا الصبح ، وذلك وقت إدراك الصلوات في العذر والضرورات واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح وأنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة ، وبين المغرب والعشاء في وقت العشاء بمزدلفة ، فدل على أن وقتهما للضرورات واحد . وقد قال الشافعي : إن أدرك الإحرام في وقت الآخرة صلاهما جميعا . ( قال المزني ) : ليس هذا عندي بشيء . وزعم الشافعي أن من أدرك من الجمعة ركعة بسجدتين أتمها جمعة ، ومن أدرك منها سجدة أتمها ظهرا لقول النبي صلى الله عليه وسلم من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ومعنى قوله عندي إن لم تفته وإذا لم تفته صلاها جمعة ، والركعة عند الشافعي بسجدتين . ( قال المزني ) قلت : وكذلك قوله عليه السلام من أدرك من الصلاة ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر لا يكون مدركا لها إلا بكمال [ ص: 34 ] سجدتين فكيف يكون مدركا لها والظهر معها بإحرام قبل المغيب فأحد قوليه يقضي على الآخر "

قال الماوردي : قد مضى الكلام في أصل وقت الإقامة والرفاهة . فأما وقت أهل العذر ، والضرورة : كالحائض ، والنفساء إذا طهرتا ، والمجنون ، والمغمى عليه إذا أفاقا ، والصبي إذا بلغ ، والكافر إذا أسلم في آخر وقت الصلاة ، فهم أهل العذر والضرورة ، فإن قيل فكيف يجوز إدخال الكافر في جملتهم وهو غير معذور بالتأخر عن الإسلام ولا مضطر في المقام على الكفر . قيل : لأن الكافر لما لزمته الصلاة بإسلامه وسقط عنه ما تقدم في كفره كالحائض إذا طهرت ، والمجنون إذا أفاق ، صار من المعذورين حكما في الإسقاط ، والإيجاب ، وإن كان مخالفا لهم من قبل في الإثم والعقاب فصار مجموع ذلك أن كل من لزمه تكليف الصلاة في شيء من آخر وقت الصلاة ، وإذا كان كذلك تعلق الكلام بفصلين :

أحدهما : بما يدركونه من الوقت

والثاني : ما يدركون به ما يجمع إلى صلاة ذلك الوقت ، وأما الفصل الأول فيما يدركون به صلاة ذلك الوقت ، فإن أدركوا من ذلك الوقت قدر ركعة أدركوا صلاة ذلك الوقت ، فإن كان قبل غروب الشمس بركعة أدركوا صلاة العصر ، وإن كان قبل طلوع الفجر الثاني بركعة أدركوا صلاة عشاء الآخرة ، وإن كان قبل طلوع الشمس بركعة أدركوا صلاة الصبح ، وإنما لزمتهم صلاة ذلك الوقت بإدراك ركعة منه لحديث أبي هريرة أن النبي : صلى الله عليه وسلم قال : من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر فأما إذا أدركوا من الوقت أقل من ركعة فيستوي حكم ما نقص عن الركعة بأن يكون أكثر الركعة أو قدر الإحرام منها ، والحكم فيها على سواء ، وفي إدراكهم لصلاة ذلك الوقت قولان :

أحدهما : قاله في القديم كله

وأحد قوليه في الجديد : أنهم لا يدركونها بأقل من ركعة واختاره المزني ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدر الإدراك بركعة ، فوجب أن لا يتعلق بأقل من ركعة ، لأن إدراك الجمعة لما تعلق بركعة ولم يتعلق بأقل منها ، وجب أن يكون إدراك غيرها من الصلوات متعلقا بركعة ولم يتعلق بأقل منها

والقول الثاني : في الجديد أنهم يدركون صلاة ذلك الوقت بأقل من ركعة ، وهو قول أبي حنيفة لرواية الزهري في عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك ، ومن أدرك من الصبح سجدة قبل أن تطلع الشمس فقد [ ص: 35 ] أدرك ولأن إدراك الصلاة بزمان ركعة إنما هو لما لذلك الزمان من الحرمة ، وحرمة قليل الزمان كحرمة كثيره فوجب أن يدرك صلاة ذلك الوقت بقليل الزمان ، وكثيره ، ولأن ما دون الركعة لما كان مساويا للركعة في إدراك صلاة الوقت

فأما حديث أبي هريرة فالمراد به إدراك الصلاة ، فيكون بإدراك بعض وقتها ، وقد عارضه حديث عائشة

وأما الجمعة في أن إدراكها لا يكون بأقل من ركعة

فالفرق بينها وبين إدراك ما سواها بأقل من ركعة من ثلاثة أوجه :

أحدها : أن الجمعة لما لم يجز أن يأتي ببعضها في الوقت وبعضها خارج الوقت تغلظ حكمها : فلم يدركها إلا بركعة ، وسائر الصلوات لما جاز أن يأتي ببعضها في الوقت وبعضها خارج الوقت خف حكمها ، فأدركها بأقل من ركعة ، وهذا فرق أبي إسحاق المروزي

والثاني : أن الإدراك نوعان : إدراك إلزام ، وإدراك إسقاط ، فأما إدراك الإسقاط فلا يكون إلا بركعة كاملة كمن أدرك الإمام ساجدا لم يسقط عن نفسه تلك الركعة ، فكذا الجمعة لما كان في إدراكها إسقاط لم يدركها إلا بركعة

وأما إدراك الإلزام فيكون بأقل من ركعة كمسافر أدرك خلف مقيم أقل من ركعة لزمه الائتمام ، فكذا من أدرك من الوقت أقل من ركعة لزمته تلك الصلاة لما فيها من الإلزام وهذا فرق أبي علي بن أبي هريرة

والثالث : أن صلاة الجمعة مدركة بالفعل ، ولذلك تسقط بفوات الفعل فلم يصير مدركا إلا بما يعتد به من أفعالها ، وسائر الصلوات تدرك بالزمان فلذلك لم تسقط بفوات الزمان فصار مدركا لها بقليل الزمان وكثيره . وهذا ذكره أبو حامد ، فعلى هذا يصير مدركا للعصر إذا أدرك قبل غروب الشمس بقدر الإحرام ومدركا لعشاء الآخرة إذا أدرك قبل طلوع الفجر الثاني بقدر الإحرام ، ومدركا للصبح إذا أدرك قبل طلوع الشمس بقدر الإحرام .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث