الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صلاة الجمعة لا تفتقر إلى حضور السلطان

مسألة : قال الشافعي ، رحمه الله تعالى : " والجمعة خلف كل إمام صلاها من أمير ومأمور ومتغلب على بلد وغير أمير جائزة وخلف عبد ومسافر كما تجزئ الصلاة في غيرها " .

قال الماوردي : وهذا كما قال .

صلاة الجمعة لا تفتقر إلى حضور السلطان ، ومن أداها من المسلمين بشرائطها انعقدت به ، وذهب أبو حنيفة إلى أن الجمعة لا تنعقد إلا بحضور السلطان أو من ينوب عنه من قاض أو شرطي ، وبه قال الحسن ، والأوزاعي ، استدلالا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقيمها بنفسه أو بمن يوليه إقامتها من قبله ، وبه جرى العمل في عهده صلى الله عليه وسلم ، وعهد خلفائه رضي الله عنهم ، فكان ذلك بيانا لقوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله قالوا : ولأنه فرض يلزم الكافة لا يقيمه إلا واحد ، فوجب أن لا يقيمه إلا السلطان كالحدود ، قالوا : ولأنه لو استوى السلطان وغيره في جواز إقامتها لاستويا في الاختيار ، وفي إجماعهم على إمامة السلطان أولى دليل على عدم تساويهما في جواز الإمامة .

ودليلنا : قوله صلى الله عليه وسلم صلوا خلف كل بر وفاجر وقيل إن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، صلى بالناس الجمعة والعيد وعثمان ، رضي الله عنه محصور ، ولم يكن حين صلاها إماما ولا أميرا ، وقد أخرج الناس سعيد بن العاص عن المدينة وكان أميرا عليها ، وقدموا أبا موسى الأشعري ، فصلى بهم الجمعة وأخرجوا الوليد بن عقبة عن الكوفة ، وكان أميرا عليها ، وقدموا ابن مسعود ، فصلى بهم الجمعة فكان ذلك إجماعا منهم على جوازها بغير سلطان ، ولأنها عبادة على البدن ، فوجب أن لا تفتقر إقامتها إلى سلطان ، كسائر العبادات من الحج والصلاة .

وأما الجواب عن إقامته صلى الله عليه وسلم بنفسه : فذلك بيان لأفعالها ، لأن البيان إذا وقع بالفعل لم تعتبر فيه صفات الفاعل ، ولو اعتبر كونه سلطانا لاعتبر كونه نبيا .

وقياسهم على الحدود لا يصح ، لما يتخوف من التحامل في الحدود لطلب التشفي ، [ ص: 447 ] وذلك مأمون في الجمعة على أن الجمعة قد استوى في وجوبها الإمام والمأموم وليس كذلك في الحدود .

وأما قولهم إنه لما كانت جمعته أولى دل على أنها لا تصح إلا به : فغلط : لأننا قدمنا جمعته ترجيحا من طريق الأولى ، فلم يدل ذلك على نفي الجواز من غيره .

فإذا تقرر أن إتيانها يصح من غير سلطان فقول الشافعي : " خلف كل أمير " أراد به : الإمام ، وقوله : " أو مأمور " . أراد به من يقيمها بإذن الإمام ، وقوله : " أو متغلب على بلد " . أراد به : الخارجي ومن تغلب على الإمام العادل ، وقوله : " وغير أمير " . أراد به : العامي الذي ليس بإمام ولا نائب عن إمام ولا متغلب عليه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث