الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الطرف الثاني في بيان مستوفيه

جزء التالي صفحة
السابق

الطرف الثاني في بيان مستوفيه .

فإن كان المحدود حرا ، فالمستوفي الإمام ، أو من فوض إليه كما سبق ، هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الأصحاب ، وحكي عن القفال رواية قول : إنه يجوز للآحاد استيفاؤه حسبة ، كالأمر بالمعروف ، وليس بشيء .

وإن كان مملوكا ، فلسيده إقامة الحد عليه ، وله تفويضه إلى غيره ، ولا يحتاج إلى إذن الإمام فيه ، وسواء العبد والأمة ، وخرج ابن القاص قولا في العبد كأنه ألحقه بالإجبار على النكاح ولم يوافق عليه ، بل قطع الأصحاب بأن له إقامته عليهما ، ويجوز للإمام أيضا إقامته على الرقيق ، ومن بدر إليه منهما وقع الموقع ، وهل الأولى للسيد أن يقيمه بنفسه ليكون أستر ، أم الأولى تفويضه إلى الإمام ، ليخرج من خلاف أبي حنيفة في إلحاقه بالحر ؟ وجهان نقلهما الشيخ أبو خلف الطبري .

[ ص: 103 ] قلت : أصحهما الأول لثبوت الحديث فيه ، ولا يراعى الخروج من خلاف يخالف السنة . والله أعلم .

ولو تنازع في إقامته الإمام والسيد ، فأيهما أولى ؟ فيه احتمالات للإمام ، أظهرها : الإمام لعموم ولايته ، والثاني : السيد لغرض إصلاح ملكه ، والثالث : إن كان جلدا فالسيد ، وإن كان قتلا أو قطعا ، فالإمام ; لأن إعمال السلاح بصاحب الأمر أليق ، والعبد المشترك يقيم حده ملاكه ، وتوزع السياط على قدر الملك ، فإن حصل كسر ، فوض المنكسر إلى أحدهم ، وهل يغربه السيد إن قلنا بتغريب العبد ؟ وجهان ، أصحهما : نعم ; لأنه بعض الحد ، والمدبر وأم الولد والمعلق عتقه كالقن ، والمكاتب كالحر على الصحيح ، وعن ابن القطان كالقن ، ومن بعضه حر لا يحده إلا الإمام ، وهل إقامة السيد الحد بالولاية على ملكه ، كولاية التزويج ، أم تأديبا وإصلاحا ، كمعالجته بالفصد والحجامة ؟ وجهان .

فرع

فيما يقيمه السيد على رقيقه من العقوبات ، أما التعزير ، فله ذلك في حقوق الله تعالى ، كما يؤدبه لحق نفسه ، وفيه وجه ضعيف ; لأن التعزير غير مضبوط فيفتقر إلى اجتهاده ، وأما الحدود ، فله الجلد في الزنا والقذف والشرب ، وفي الشرب وجه ; لأن للسيد في بضع أمته وعبده حقا ، فإنه لا يتزوج إلا بإذنه بخلاف الشرب ، وقياس هذا الفرق مجيء الوجه في جلد القذف ، وهل له قطعه في السرقة والمحاربة ، وقتله في الردة ؟ وجهان ، الأصح المنصوص : نعم ، لإطلاق الخبر ، ومنهم من جزم بجواز القطع ، وأجرى ابن الصباغ وجماعة هذا الخلاف في القطع والقتل قصاصا ، وفي " التهذيب " أن الأصح أن القطع والقتل إلى الإمام .

[ ص: 104 ] فرع

في أحوال السيد إن جمع شروط الولاية أقام الحد ، وإن كان السيد امرأة ، فهل تقيمه هي أم السلطان أم وليها ؟ فيه أوجه ، أصحها الأول ، وللفاسق والمكاتب والكافر إقامته على رقيقهم على الأصح بناء على أن سبيله سبيل الإصلاح ، وفي كتاب ابن كج أن السيد لا يحد عبيد مكاتبه على المذهب ، وإن قلنا : يحدهم المكاتب إذ لا تصرف له فيهم ، وفيه أنه ليس لكافر أن يحد عبده المسلم بحال ، وهل يقيم الأب والجد والوصي والقيم الحد على رقيق الطفل ؟ وجهان ، وقيل : لا يجوز لغير الأب والجد وفيهما الوجهان ، ويشبه أن يقال : إن قلنا : الحد إصلاح ، فلهم إقامته ، وإن قلنا : ولاية ، ففيه الخلاف ، وهل يجوز كون السيد جاهلا ؟ وجهان بناء على أنه إصلاح أم ولاية ؟ ويشترط كونه عالما بقدر الحد وكيفيته .

فرع

العقوبة التي يقيمها السيد على عبده ، يقيمها إذا أقر العبد عنده بموجبها ، فلو شاهده السيد ، فله إقامتها على الأصح ، وله سماع البينة بذلك على الأصح ; لأنه يملك إقامة هذا الحد ، فيسمع بينته كالإمام ، وعلى هذا ينظر تزكية الشهود ، ويشترط كونه عالما بصفاتهم ، وأحكام الحدود ، وقيل : ليس له سماعها ، وإنما يحده بعد ثبوته عند الإمام .

فرع

قذف رقيق زوجته الرقيقة ، هل يلاعن بينهما السيد كما يقيم الحد ؟ وجهان ، ولو قذف العبد سيده ، فله إقامة الحد عليه ، ولو قذف [ ص: 105 ] السيد عبده ، فله رفع الأمر إلى القاضي ليعزره ، ولو زنى ذمي ، ثم نقض العهد واسترق ، لم يسقط عنه الحد ، ويقيمه الإمام لا السيد ; لأنه لم يكن مملوكا يومئذ ، ولو زنى عبد ، فباعه سيده ، فإقامة الحد إلى المشتري اعتبارا بحال الاستيفاء .

فرع

من قتل حدا بالرجم وغيره ، غسل وكفن ، وصلي عليه ، ودفن في مقابر المسلمين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث