الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

النوع الثاني : الاستطاعة بغيره .

يجوز أن يحج عن الشخص غيره ، إذا عجز عن الحج ، بموت ، أو كسر ، أو زمانة ، أو مرض لا يرجى زواله ، أو كان كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أصلا ، أو لا يثبت إلا بمشقة شديدة . فمقطوع اليدين أو الرجلين ، إذا أمكنه الثبوت على الراحلة من غير مشقة شديدة ، لا يجوز له الاستنابة ، ولا يجوز أيضا لمن لا يثبت على الراحلة لمرض يرجى زواله . وكذا من وجب عليه الحج ثم جن ، ليس للولي أن يستنيب عنه ؛ لأنه قد يفيق فيحج [ ص: 13 ] بنفسه . فلو استناب عنه فمات قبل الإفاقة ، ففي إجزائه القولان في استنابة المريض الذي يرجى برؤه إذا مات .

هذا كله في حجة الإسلام والقضاء والنذر . أما حج التطوع ، فلا يجوز الاستنابة فيه عن القادر قطعا .

وفي استنابة المعضوب عن نفسه ، والوارث عن الميت قولان . أظهرهما : الجواز ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد . ولو لم يكن الميت حج ، ولا وجب عليه لعدم الاستطاعة ففي جواز الإحجاج عنه طريقان . أحدهما : طرد القولين ؛ لأنه لا ضرورة إليه . والثاني : القطع بالجواز . لوقوعه عن حجة الإسلام ، فإن استأجر للتطوع وجوزناه فللأجير الأجرة المسماة . ويجوز أن يكون الأجير عبدا ، أو صبيا ، بخلاف حجة الإسلام ، فإنه لا يجوز استئجارهما فيها ؛ لأنهما ليسا من أهلها . وفي المنذورة ، الخلاف المشهور ، في أنه يسلك بالنذر مسلك الواجبات أم لا ؟ وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع وقع الحج عن الأجير ، ولم يستحق المسمى . وهل يستحق أجرة المثل ؟ قولان : أظهرهما : يستحق .

قلت : قال المتولي : هذا الخلاف إذا جهل الأجير فساد الإجارة . فإن علم لم يستحق شيئا بلا خلاف . قال : والمسألة مفروضة في المعضوب ، فإن أوصى الميت بحجة تطوع ، وقلنا : لا تدخله النيابة ، فحج الأجير وقع عن نفسه ولا أجرة له بلا خلاف ، لا على الوصي ولا على الوارث ، ولا في التركة . - والله أعلم - .

فرع

من به علة يرجى زوالها ليس له أن يستنيب من يحج عنه . فإن استناب فحج النائب فشفي لم يجزئه قطعا . وإن مات ، فقولان . أظهرهما : لا يجزئه ، ولو كان غير مرجو الزوال ، فأحج عنه ثم شفي ، فطريقان . أصحهما : طرد [ ص: 14 ] القولين . والثاني : القطع بعدم الإجزاء . فإن قلنا في الصورتين : يجزئه ، استحق الأجير الأجرة المسماة ، وإلا فهل يقع عن تطوع المستأجر ، ويكون هذا عذرا في جواز وقوع التطوع قبل الفرض ، كالرق ، والصبا ، أم لا يقع عنه أصلا ؟ وجهان . أصحهما عند الجمهور : الثاني ، وصحح الغزالي الأول .

فإن قلنا : لا يقع عنه أصلا ، فهل يستحق الأجير أجرة ؟ قولان . أظهرهما : لا ؛ لأن المستأجر لم ينتفع بها . والثاني : نعم ؛ لأنه عمل له في اعتقاده فعلى هذا ، هل يستحق المسمى ، أم أجرة المثل ؟ وجهان . وإذا قلنا : يقع عن تطوعه استحق الأجير الأجرة . وهل هي أجرة المثل أم المسماة ؟ قال الشيخ أبو محمد : لا يبعد تخريجه على الوجهين .

قلت : الأصح هنا : المسمى . - والله أعلم - .

فرع

لا يجزئ الحج عن المعضوب بغير إذنه ، بخلاف قضاء الدين عن غيره ؛ لأن الحج يفتقر إلى النية ، وهو أهل للإذن . وفيه وجه : أنه يجوز بغير إذنه ، وهو شاذ ضعيف . ويجوز الحج عن الميت ، ويجب عند استقراره عليه ، سواء أوصى به ، أم لا . ويستوي فيه الوارث والأجنبي كالدين . وسيأتي تفصيله في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى .

وأما المعضوب ، فتلزمه الاستنابة في الجملة ، سواء طرأ العضب بعد الوجوب أو بلغ معضوبا واجدا للمال . ثم لوجوب الاستنابة عليه طريقان .

أحدهما : أن يجد مالا يستأجر به من يحج عنه . وشرطه : أن يكون فاضلا عن الحاجات [ ص: 15 ] المذكورة فيمن يحج بنفسه ، إلا أنا اعتبرنا هناك ، أن يكون المصروف إلى الزاد والراحلة فاضلا عن نفقة عياله إلى الرجوع . وهنا يعتبر كونه فاضلا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار ، ولا يعتبر بعد فراغ الأجير من الحج . وهل تعتبر مدة الذهاب ؟ وجهان . أصحهما : لا ، كما في الفطرة والكفارة ، بخلاف ما لو حج بنفسه ، فإنه إذا لم يفارق أهله ، أمكنه تحصيل نفقتهم . ثم إن وفى ما يجده بأجرة راكب ، فذاك . وإن لم يف إلا بأجرة ماش ، ففي وجوب الاستئجار وجهان . أصحهما : يجب ، إذ لا مشقة عليه في مشي الأجير ، بخلاف ما إذا حج بنفسه . ولو طلب الأجير أكثر من أجرة المثل ، لم يجب الاستئجار ، ولو رضي بأقل منها وجب . ولو امتنع من الاستئجار ، فهل يستأجر عنه الحاكم ؟ وجهان . أصحهما : لا .

الطريق الثاني : أن لا يجد المال ، لكن يجد من يحصل له الحج ، وفيه صور .

إحداها : أن يبذل له أجنبي مالا ليستأجر له ، ففي لزوم قبوله وجهان . الصحيح : لا يلزم . الثانية : أن يبذل واحد من بنيه أو بناته أو أولادهم الطاعة في الحج ، فيلزمه القبول والحج قطعا ، بشرط أن يكون المطيع قد حج عن نفسه ، وموثوقا به ، وأن لا يكون معضوبا .

قلت : وحكى السرخسي في " الأمالي " وجها واهيا : أنه لا يلزمه . - والله أعلم - .

ولو توسم أثر الطاعة [ فيه ] ، فهل يلزمه الأمر ؟ وجهان . الأصح المنصوص : يلزمه ، لحصول الاستطاعة . ولو بذل المطيع الطاعة ، فلم يأذن المطاع ، فهل ينوب الحاكم عنه ؟ وجهان . أصحهما : لا ، لأن مبنى الحج على التراخي [ ص: 16 ] ، وإذا اجتمعت الشرائط ، فمات المطيع قبل أن يأذن له ، فإن مضى وقت إمكان الحج ، استقر الوجوب في ذمته ، وإلا فلا . ولو كان له من يطيع ولم يعلم بطاعته ، فهو كما لو كان له مال موروث ولم يعلم به . وشبهه صاحب " الشامل " بمن نسي الماء في رحله وتيمم ، لا يسقط الفرض على المذهب .

وشبهه صاحب " المعتمد " بالمال الضال في الزكاة . والمذهب : وجوبها فيه . ولك أن تقول : لا يجب الحج بحال ، فإنه متعلق بالاستطاعة ، ولا استطاعة مع عدم العلم بالمال والطاعة . ولو بذل الولد الطاعة ، ثم أراد الرجوع ، فإن كان بعد إحرامه ، لم يجز ، وإلا جاز على الأصح .

قلت : وإذا كان رجوعه الجائز قبل أن يحج أهل بلده ، تبينا أنه لم يجب على الأب ، وقد ذكر الإمام الرافعي في كتاب " الرهن " هذه المسألة في مسائل بيع العدل الرهن . - والله أعلم - .

الثالثة : أن يبذل الأجنبي الطاعة ، فيلزم قبولها على الأصح . والأخ كالأجنبي قطعا ؛ لأن استخدامه يثقل . وكذا الأب على المذهب الذي قطع به الجمهور . وحكي في بعض التعاليق وجه : أنه كالابن ، لاستوائهما في النفقة .

الرابعة : أن يبذل الولد المال ، فلا يلزم قبوله على الأصح لعظم المنة فيه . وبذل الأب المال كبذل الابن ، أو كبذل الأجنبي ، فيه احتمالان ذكرهما الإمام ، أصحهما : الأول .

فرع

جميع المذكور في بذل الطاعة ، هو فيما إذا كان الباذل راكبا . فلو بذل الابن الطاعة ليحج ماشيا ، ففي لزوم القبول وجهان . قال الشيخ أبو محمد : هما مرتبان على الوجهين في لزوم استئجار الماشي ، وهنا أولى بالمنع ؛ لأنه يشق عليه [ ص: 17 ] مشي ولده .

وفي معناه الوالد إذا أطاع وأوجبنا قبوله . ولا يجئ الترتيب إذا كان المطيع الأجنبي .

قلت : الأصح : أنه لا يجب القبول إذا كان الولد ، أو الوالد ماشيا . - والله أعلم - .

وإذا أوجبنا القبول والمطيع ماش ، فهو فيما إذا ملك الزاد . فإن عول على الكسب في الطريق ، ففي وجوب القبول وجهان ؛ لأن الكسب قد ينقطع . فإن لم يكن مكتسبا ، وعول على السؤال ، فأولى بالمنع . فإن كان يركب مفازة ليس بها كسب ولا سؤال ، لم يجب القبول بلا خلاف ؛ لأنه يحرم التغرير بالنفس .

قلت : إذا أفسد الباذل حجه ، انقلب إليه كما سيأتي في الأجير إن شاء الله تعالى . قال الدارمي : ولو بذل لأبويه فقبلا لزمه ويبدأ بأيهما شاء ، قال : وإذا قبل الأب البذل ، لم يجز له الرجوع . وإذا كان على المعضوب حجة نذر ، فهي كحجة الإسلام . - والله أعلم - .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث