الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الشرط الرابع : القدرة على تسليم المبيع ، ولا بد منها . وفواتها قد يكون حسا ، وقد يكون شرعا . وفيه مسائل .

                                                                                                                                                                        [ ص: 358 ] إحداها : بيع الآبق والضال باطل ، عرف موضعه ، أم لا ؛ لأنه غير مقدور على تسليمه في الحال . هذا هو المذهب المعروف . قال الأصحاب : لا يشترط في الحكم بالبطلان ، اليأس من التسليم ، بل يكفي ظهور التعذر . وأحسن بعض الأصحاب ، فقال : إذا عرف موضعه وعلم أنه يصله إذا رام وصوله ، فليس له حكم الآبق .

                                                                                                                                                                        الثانية : إذا باع المالك ماله المغصوب ، نظر ، إن قدر البائع على استرداده وتسلمه ، صح البيع ، كما يصح بيع الوديعة . وإن عجز ، نظر ، إن باعه لمن لا يقدر على انتزاعه من الغاصب ، لم يصح . وإن باعه من قادر على انتزاعه ، صح على الأصح . ثم إن علم المشتري بالحال ، فلا خيار له . لكن لو عجز عن انتزاعه لضعف عرض له أو قوة عرضت للغاصب ، فله الخيار على الصحيح . وإن كان جاهلا حال العقد ، فله الخيار . ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده ، ففيه الوجهان في المغصوب . ويجوز تزويج الآبقة والمغصوبة ، وإعتاقهما . قال في " البيان " : لا يجوز كتابة المغصوب ؛ لأنها تقتضي التمكين من التصرف .

                                                                                                                                                                        الثالثة : لا يجوز بيع السمك في الماء ، والطير في الهواء ، وإن كان مملوكا له ، لما فيه من الغرر . ولو باع السمك في بركة لا يمكنه الخروج منها ، فإن كانت صغيرة يمكن أخذه بغير تعب ومشقة ، صح . وإن كانت كبيرة لا يمكن أخذه إلا بتعب شديد ، لم يصح على الأصح . وحيث صححنا ، فهو إذا لم يمنع الماء رؤيته ، فإن منعها ، فعلى قولي بيع الغائب إن عرف قدره وصفته ، وإلا ، فلا يصح قطعا . وبيع الحمام في البرج على تفصيل بيع السمك في البركة . ولو باعها وهي طائرة اعتمادا على عادة عودها ليلا ، فوجهان كما سبق في النحل . أصحهما عند الإمام : الصحة ، كالعبد المبعوث في شغل . وأصحهما عند الجمهور : المنع ، إذ لا وثوق بعودها ، لعدم عقلها .

                                                                                                                                                                        قلت : ولو باع ثلجا أو جمدا وزنا ، وكان ينماع إلى أن يوزن ، لم يصح على [ ص: 359 ] الأصح ، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في المسائل المنثورة في آخر كتاب الإجارة . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        الرابعة : لو باع جزءا شائعا من سيف أو إناء ونحوهما ، صح وصار مشتركا . ولو عين بعضه وباعه ، لم يصح ؛ لأن تسليمه لا يحصل إلا بقطعه ، وفيه نقص وتضييع للمال . ولو باع ذراعا فصاعدا من ثوب ، فإن لم يعين الذراع ، فسنذكره إن شاء الله تعالى . وإن عينه ، فإن كان الثوب نفيسا تنقص قيمته بالقطع ، لم يصح البيع على الأصح المنصوص . والثاني : يصح كذراع من الأرض ، وكما يصح بيع أحد زوجي الخف وإن نقصت قيمتهما بتفريقهما ، والقياس طرد الوجهين في مسألة السيف والإناء . وإن لم تنقص قيمته بالقطع كغليظ الكرباس ، صح على المذهب وبه قطع الجمهور . وحكى الإمام وشيخه فيه وجهين . ولو باع جزءا معينا من جدار أو أسطوانة ، فإن كان فوقه شيء لم يصح لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه ، وإلا فإن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما ; لم يجز . وإن كان من لبن أو آجر ; جاز . هكذا أطلقه في " التلخيص " ، وهو محمول عند الأئمة على ما لو جعلت النهاية صفا من الآجر أو اللبن دون أن يجعل المقطع نصف سمكها . وفي تجويز البيع إذا كان من لبن أو آجر إشكال ، وإن جعل النهاية ما ذكروه ; لأن موضع الشق قطعة واحدة ، ولأن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي ، فيفسد البيع . ولهذا قالوا : لو باع جذعا في بناء ; لم يصح ; لأن الهدم يوجب النقص . ولا فرق بين الجذع والآجر ، وكذا لو باع فصا في خاتم . ثم ذكر بعض الشارحين لـ " المفتاح " : أنه لو باع دارا إلا بيتا في صدرها لا يلي شارعا ولا ملكا له على أنه لا ممر له في المبيع ، لا يصح البيع .

                                                                                                                                                                        الخامسة : لا يصح بيع المرهون بعد الإقباض قبل الفكاك .

                                                                                                                                                                        السادسة : جناية العبد ، إن أوجبت مالا متعلقا بذمته ، لم يمنع بيعه بحال . وإن أوجبته متعلقا برقبته ، فإن باعه بعد اختيار الفداء ، صح ، كذا أطلقه في [ ص: 360 ] " التهذيب " . وإن باعه قبله وهو معسر ، فلا ، ومنهم من طرد الخلاف الآتي في الموسر ، وحكم بالخيار للمجني عليه إن صححنا . وإن كان موسرا ، فالأظهر : أنه لا يصح . وقيل : لا يصح قطعا . وقيل : موقوف . فإن فداه ، نفذ ، وإلا ، فلا . فإن لم نصحح البيع ، فالسيد على خيرته ، إن شاء فداه ، وإلا ، فيسلمه ليباع في الجناية . وإن صححناه ، فالسيد ملتزم للفداء ببيعه مع العلم بجنايته ، فيجبر على تسليم الفداء ، كما لو أعتقه أو قتله . وقيل : هو على خيرته ، إن فدى ، أمضى البيع ، وإلا ، فسخ . والصحيح : أنه ملتزم للفداء . فإن تعذر تحصيل الفداء أو تأخر لإفلاسه أو غيبته أو صبره على الحبس ، فسخ البيع ، وبيع في الجناية ؛ لأن حق المجني عليه سبق حق المشتري . هذا كله إذا أوجبت الجناية المال ، لكونها خطأ ، أو شبه عمد ، أو عفا مستحق القصاص على مال ، أو أتلف العبد مالا . أما إذا أوجبت قصاصا ولا عفو ، فالمذهب صحة البيع كبيع المريض المشرف على الموت . وقيل : فيه القولان . وإذا اختصرت ، قلت : المذهب : أنه لا يصح بيعه إن تعلق برقبته مال ، ويصح إن تعلق به قصاص . ولو أعتق الجاني ، فإن كان السيد معسرا ، لم ينفذ على الأظهر . وقيل : لا ينفذ قطعا . وإن كان موسرا ، نفذ على أظهر الأقوال . والثالث : موقوف . إن فداه ، نفذ ، وإلا ، فلا . واستيلاد الجانية ، كإعتاقها . ومتى فدى السيد الجاني ، فالأظهر : أنه يفديه بأقل الأمرين من الأرش وقيمة العبد . والثاني : يتعين الأرش وإن كثر .

                                                                                                                                                                        قلت : ولو ولدت الجارية ، لم يتعلق الأرش بالولد قطعا ، ذكره القاضي أبو الطيب في " نماء الرهن " . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية