الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين فلم يحرم عن المستأجر بل أحرم عن نفسه بعمرة ثم أحرم عن المستأجر بالحج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

فرع

إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين إما بشرطهما إن اعتبرناه ، وإما بتعيين الشرع ، فلم يحرم عن المستأجر ، بل أحرم عن نفسه بعمرة ، فلما فرغ منها ، أحرم عن المستأجر بالحج ، فله حالان .

أحدهما : أن لا يعود إلى الميقات ، فيصح الحج عن المستأجر للأذان ، ويحط شيء من الأجرة المسماة لإخلاله بالإحرام من الميقات الملتزم .

وفي قدر المحطوط خلاف يتعلق بأصل ، وهو أنه إذا سار الأجير من بلد الإجارة وحج ، فالأجرة تقع في مقابلة أعمال الحج وحدها ، أم تتوزع على اليسير والأعمال ، وسيأتي بيانه [ ص: 24 ] إن شاء الله تعالى . فإن خصصناها بالأعمال ، وزعت الأجرة المسماة على حجة من الميقات ، وحجة من مكة ؛ لأن المقابل بالأجرة على هذا ، هو الحج من الميقات ، فإذا كانت أجرة الحجة المنشأة من مكة دينارين ، والمنشأة من الميقات خمسة ، فالتفاوت ثلاثة أخماس ، فتحط ثلاثة أخماس المسمى . فإن وزعنا الأجرة على السير والأعمال وهو المذهب ، فقولان .

أحدهما : لا تحسب له المسافة هنا ؛ لأنه صرفها إلى غرض نفسه لإحرامه بالعمرة من الميقات . فعلى هذا يوزع المسمى على حجة تنشأ من بلد الإجارة ويقع الإحرام بها من الميقات ، وعلى حجة تنشأ من مكة ، فيحط من المسمى بنسبته . فإذا كانت أجرة المنشأة من البلد مائة ، والمنشأة من مكة عشرة ، حط تسعة أعشار المسمى .

وأظهرهما : يحتسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أن يكون قصد الحج منه إلا أنه عرض له العمرة . فعلى هذا يوزع المسمى على منشأة من بلد الإجارة إحرامها من الميقات ، وعلى منشأة من البلد إحرامها من مكة ، فإذا كانت أجرة الأولى : مائة ، والثانية : تسعين ، حط عشر المسمى ، فحصل في الجملة ثلاثة أقوال . المذهب منها ، هذا الأخير . ثم الأجير في مسألتنا : يلزمه دم لإحرامه بالحج بعد تجاوزه الميقات ، وسنذكر إن شاء الله تعالى خلافا في غير صورة الاعتمار أن إساءة المجاوزة ، هل تنجبر بإخراج الدم حتى لا يحط شيء من الأجرة ، أم لا ؟ وذلك الخلاف يجئ هنا ، صرح به ابن عبدان وغيره ، فإذا الخلاف في قدر المحطوط .

فرع

للقول بإثبات أصل الحط

ويجوز أن يفرق بين الصورتين ، ويقطع بعدم الانجبار هنا ؛ لأنه ارتفق بالمجاوزة حيث أحرم بالعمرة لنفسه .

[ ص: 25 ] الحال الثاني : أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة فيحرم بالحج منه ، فهل يحط شيء من الأجرة ؟ يبنى على الخلاف المتقدم . إن قلنا : الأجرة موزعة على العمل والسير ، ولم يحسب السير لانصرافه إلى عمرته وزعت الأجرة المسماة على حجة منشأة من بلد الإجارة إحرامها من الميقات ، وعلى منشأة من الميقات بغير قطع مسافة ، ويحط بالنسبة من المسمى . وإن قلنا : الأجرة في مقابلة العمل فقط ، أو وزعناها عليه وعلى السير ، واحتسبنا المسافة ، فلا حط ، فتجب الأجرة كلها ، وهذا هو المذهب ، ولم يذكر كثيرون غيره .

فرع

إذا جاوز الميقات المتعين بالشرط أو الشرع غير محرم ، ثم أحرم بالحج عن المستأجر ، نظر ، إن عاد إليه وأحرم منه ، فلا دم عليه ، ولا يحط من الأجرة شيء ، وإن أحرم من جوف مكة ، أو بين الميقات ومكة ولم يعد ، لزم دم الإساءة بالمجاوزة ، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شيء من الأجرة ؟ فيه طريقان . أصحهما : على قولين . أحدهما : ينجبر ، ويصير كأن لا مخالفة ، فتجب جميع الأجرة . وأظهرهما وهو نصه في " المختصر " : يحط . والطريق الثاني : القطع بالحط . فإن قلنا بالانجبار

[ فهل ] نعتبر قيمة الدم ، ونقابلها بالتفاوت ؟ وجهان . أحدهما : نعم ، فلا ينجبر ما زاد على قيمة الدم . وأصحهما : لا ؛ لأن المعول في هذا القول على جبر الخلل ، والشرع قد حكم به من غير نظر إلى القيمة . وإذا قلنا بالمذهب وهو الحط ، ففي قدره الوجهان بناء على الأصل السابق ، وهو أن الأجرة في مقابلة ماذا ؟ فإن قلنا : في مقابلة العمل فقط ، وزعنا المسمى على حجة من الميقات ، وحجة من حيث أحرم . وإن وزعنا على العمل [ ص: 26 ] والسير وهو المذهب ، وزعنا المسمى على حجة من بلدة إحرامها من الميقات ، وعلى حجة من بلدة إحرامها من حيث أحرم . وعلى هذا يقل المحطوط . ثم حكى الشيخ أبو محمد وجهين في أن النظر إلى الفراسخ وحدها ، أم يعتبر مع ذلك السهولة والخشونة ؟ والأصح : الثاني . ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر ، فالمذهب : أنه لا شيء عليه ، هذا كله في الميقات الشرعي . أما إذا عينا موضعا آخر ، فإن كان أقرب إلى مكة من الشرعي ، فالشرط فاسد مفسد الإجارة ، إذ لا يجوز لمريد النسك مجاوزة الميقات غير محرم . وإن كان أبعد ، بأن عينا الكوفة فهل يلزم الأجير الدم لمجاوزتها غير محرم ؟ وجهان . الأصح المنصوص : نعم . فإن قلنا : لا يلزم الدم ، حط قسط الأجرة قطعا ، وإلا ، ففي حصول الانجبار به الطريقان . وكذلك لو لزمه الدم لترك مأمور ، كالرمي والمبيت . فإن لزمه بفعل محظور كاللبس والقلم ، لم يحط شيء من الأجرة ؛ لأنه لم ينقص العمل . ولو شرط الإحرام في أول شوال ، فأخره لزمه الدم ، وفي الانجبار الخلاف . وكذا لو شرط أن يحج ماشيا فحج راكبا ، لأنه ترك مقصودا . هكذا نقلت المسألتان عن القاضي حسين ، ويشبه أن تكونا مفرعتين على أن الميقات المشروط كالشرعي ، وإلا فلا [ يلزم ] الدم ، كما في مسألة تعيين الكوفة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث