الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل مبيت أربع ليال نسك في الحج

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

مبيت أربع ليال ، نسك في الحج : ليلة النحر بمزدلفة ، وليالي التشريق بمنى . لكن الليلة الثالثة إنما تكون نسكا لمن لم ينفر النفر الأول . وفي قدر الواجب من المبيت ، قولان حكاهما الإمام عن نقل شيخه ، وصاحب " التقريب " . أظهرهما : معظم الليل . والثاني : المعتبر كونه حاضرا حال طلوع الفجر .

[ ص: 105 ] قلت : المذهب : ما نص عليه الشافعي - رحمه الله - في " الأم " وغيره : أن الواجب في مبيت المزدلفة ساعة في النصف الثاني من الليل ، وقد سبق بيانه قريبا . - والله أعلم - .

ثم هذا المبيت مجبور بالدم . وهل هو واجب ، أم مستحب ؟ أما ليلة المزدلفة فسبق حكمه . وأما الباقي ، فقولان . أظهرهما : الاستحباب . والثاني : الإيجاب . وقيل : مستحب قطعا .

قلت : الأظهر : الإيجاب . - والله أعلم - .

ثم إن ترك ليلة مزدلفة وحدها ، أراق دما . وإن ترك الليالي الثلاث ، فكذلك على المذهب . وحكى صاحب " التقريب " قولا : أن في كل ليلة دما ، وهو شاذ . وإن ترك ليلة ، فأقوال : أظهرها : تجبر بمد .

والثاني : بدرهم . والثالث : بثلث دم . وإن ترك ليلتين ، فعلى هذا القياس . وإن ترك الليالي الأربع ، فقولان . أظهرهما : دمان ، دم للمزدلفة ، ودم للباقي . والثاني : دم للجميع . هذا في حق من كان بمنى وقت الغروب . فإن لم يكن حينئذ ، ولم يبت ، وأفردنا المزدلفة بدم ، فوجهان ؛ لأنه لم يترك إلا ليلتين . أحدهما : مدان ، أو درهمان ، أو ثلثا دم . والثاني : دم كامل لتركه جنس المبيت بمنى ، وهذا أصح ، وهو جار فيما لو ترك ليلتين من الثلاث دون المزدلفة . هذا كله في غير المعذور .

أما من ترك مبيت مزدلفة أو منى لعذر ، فلا دم عليه . وهم أصناف ، منهم رعاء الإبل ، وأهل سقاية العباس ، فلهم إذا رموا جمرة العقبة يوم النحر أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى ليالي التشريق ، وللصنفين جميعا أن يدعوا رمي يوم ، ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذلك اليوم ، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين متواليين . فإن تركوا رمي اليوم الثاني ، بأن نفروا اليوم الأول بعد الرمي ، عادوا في اليوم الثالث . وإن تركوا رمي اليوم الأول ، بأن نفروا يوم النحر بعد الرمي ، عادوا في الثاني . ثم [ ص: 106 ] لهم أن ينفروا مع الناس ، هذا هو الصحيح . وفي وجه : ليس لهم ذلك . وإذا غربت الشمس والرعاء بمنى لزمهم المبيت تلك الليلة ، والرمي من الغد ، ولأهل السقاية أن ينفروا بعد الغروب على الصحيح ؛ لأن عملهم بالليل بخلاف الرعي . ورخصة أهل السقاية ، لا تختص بالعباسية على الصحيح . وفي وجه : تختص بهم ، وفي وجه : تختص ببني هاشم . ولو أحدثت سقاية الحاج ، فللمقيم بسببها ترك المبيت ، قاله في " التهذيب " . وقال ابن كج وغيره : ليس له .

قلت : الأصح : قوله في " التهذيب " . - والله أعلم - .

ومن المعذورين من انتهى إلى عرفة ليلة النحر ، واشتغل بالوقوف عن مبيت المزدلفة ، فلا شيء عليه ، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون . ولو أفاض من عرفة إلى مكة ، وطاف للإفاضة بعد نصف الليل ، ففاته المبيت ، قال القفال : لا شيء عليه لاشتغاله بالطواف . وقال الإمام : وفيه احتمال . ومن المعذورين من له مال يخاف ضياعه . ولو اشتغل بالمبيت ، أو له مريض يحتاج إلى تعهده ، أو يطلب آبقا ، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته ففي هؤلاء وجهان . الصحيح المنصوص : أنه لا شيء عليهم بترك المبيت ، ولهم أن ينفروا بعد الغروب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث