الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في بيان العقود التي يثبت فيها خيار المجلس والتي لا تثبت فيها العقود

جزء التالي صفحة
السابق

فصل

في بيان العقود التي يثبت فيها خيار المجلس والتي لا تثبت فيها العقود ، ضربان .

أحدهما : العقود الجائزة ، إما من الجانبين ، كالشركة ، والوكالة ، والقراض ، والوديعة ، والعارية ، وإما من أحدهما ، كالضمان ، والكتابة ، فلا خيار فيها ، وكذا الرهن ، لكن لو كان الرهن مشروطا في بيع وأقبضه قبل التفرق ، أمكن فسخ الرهن ، بأن يفسخ البيع ، فينفسخ الرهن تبعا .

وحكي وجه : أنه يثبت الخيار في الكتابة والضمان ، وهو شاذ ضعيف .

الضرب الثاني : العقود اللازمة ، وهي نوعان : واردة على العين ، وواردة على المنفعة .

فالأول : كالصرف ، وبيع الطعام بالطعام ، والسلم ، والتولية ، والتشريك ، وصلح المعاوضة ، فيثبت فيها جميعا خيار المجلس ، وتستثنى صور .

إحداها : إذا باع ماله لولده أو بالعكس ، ففي ثبوت خيار المجلس وجهان : أصحهما : يثبت .

فعلى هذا ، يثبت خيار للأب ، وخيار للولد والأب نائبه . فإن ألزم البيع لنفسه وللولد ، لزم . وإن ألزم لنفسه بقي الخيار للولد ، إذا [ ص: 436 ] فارق المجلس ، لزم العقد على الأصح .

والثاني : لا يلزم إلا بالإلزام ؛ لأنه لا يمكن أن يفارق نفسه وإن فارق المجلس .

الثانية : لو اشترى من يعتق عليه ، كأبيه وابنه ، قال جمهور الأصحاب : يبنى ثبوت خيار المجلس على أقوال الملك في زمن الخيار . فإن قلنا : إنه للبائع ، فلهما الخيار ، ولا نحكم بالعتق حتى يمضي زمن الخيار .

وإن قلنا : موقوف ، فلهما الخيار . وإذا أمضينا العقد ، تبينا أنه عتق بالشراء .

وإن قلنا : الملك للمشتري ، فلا خيار له ، ويثبت للبائع . ومتى يعتق ؟ وجهان .

أصحهما : لا يحكم بعتقه حتى يمضي زمن الخيار ، ثم نحكم يومئذ بعتقه من يوم الشراء .

والثاني : نحكم بعتقه حين الشراء .

وعلى هذا ، هل ينقطع خيار البائع ؟ وجهان كالوجهين في ما إذا أعتق المشتري العبد الأجنبي في زمن الخيار ، وقلنا : الملك له .

قال في " التهذيب " : ويحتمل أن نحكم بثبوت الخيار للمشتري أيضا ، تفريعا على أن الملك له ، وأن لا يعتق العبد في الحال ؛ لأنه لم يوجد منه الرضا إلا بأصل العقد . هذه طريقة الجمهور .

وقال إمام الحرمين : المذهب ، أنه لا خيار .

وقال الأودني : يثبت ، وتابع الغزالي إمامه على ما اختاره ، وهو شاذ ، والصحيح ما سبق عن الأصحاب .

الثالثة : الصحيح : أن شراء العبد نفسه من سيده جائز .

وفي ثبوت خيار المجلس وجهان حكاهما أبو حسن العبادي ، ومال إلى ترجيح ثبوته ، وقطع الغزالي وصاحب " التتمة " بعدم ثبوته .

الرابعة : في ثبوت الخيار في شراء الجمد في شدة الحر وجهان ؛ لأنه يتلف بمضي الزمان .

الخامسة : إن صححنا بيع الغائب ، ولم نثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية ، فهذا البيع من صور الاستثناء .

[ ص: 437 ] السادسة : إن باع بشرط نفي خيار المجلس ، فثلاثة أوجه سنذكرها قريبا إن شاء الله تعالى .

أحدها : يصح البيع والشرط ، فعلى هذا تكون هذه الصورة مستثناة ، هذا حكم المبيع بأنواعه .

ولا يثبت خيار المجلس في صلح الحطيطة ، ولا في الإبراء ، ولا في الإقالة إن قلنا : إنها فسخ ، وإن قلنا : إنها بيع ، ففيها الخيار .

ولا يثبت في الحوالة إن قلنا : إنها ليست معاوضة ، وإن قلنا : معاوضة ، فكذا أيضا على الأصح ، لأنها ليست على قواعد المعاوضات .

ولا يثبت في الشفعة للمشتري ، وفي ثبوته للشفيع وجهان . فإن أثبتناه فقيل : معناه أنه بالخيار بين الأخذ والترك ما دام في المجلس مع تفريعنا على قول الفور .

قال إمام الحرمين : هذا غلط ، بل الصحيح : أنه على الفور .

ثم له الخيار في نقض الملك ورده .

ومن اختار عين ماله لإفلاس المشتري ، فلا خيار له ، وفي وجه ضعيف : له الخيار ، ما دام في المجلس .

ولا خيار في الوقف كالعتق ، ولا في الهبة إن لم يكن ثوابا .

فإن كان ثوابا مشروطا ، أو قلنا : يقتضيه الإطلاق ، فلا خيار أيضا على الأصح ؛ لأنه لا يسمى بيعا ، والحديث ورد في المتبايعين .

ويثبت الخيار في القسمة ، إن كان فيها رد ، وإلا فإن جرت بالإجبار فلا خيار ، وإن جرت بالتراضي فإن قلنا : إنها إقرار فلا خيار ، وإن قلنا : بيع فكذا على الأصح .

النوع الثاني : العقد الوارد على المنفعة ، فمنه : النكاح ولا خيار فيه ، ولا خيار في الصداق على الأصح .

فإن أثبتناه ففسخت وجب مهر المثل .

وعلى هذين الوجهين ثبوت خيار المجلس في عوض الخلع ، ولا تندفع الفرقة بحال .

ومنه : الإجارة ، وفي ثبوت خيار المجلس فيها ، وجهان

أصحهما عند صاحب " المهذب " وشيخه الكرخي : يثبت ، وبه قال الإصطخري وصاحب " التلخيص " ، وأصحهما عند الإمام وصاحب " التهذيب " والأكثرين : لا يثبت ، [ ص: 438 ] وبه قال أبو إسحاق وابن خيران .

قال القفال في طائفة : الخلاف في إجارة العين . أما الإجارة على الذمة ، فيثبت فيها قطعا كالسلم ، فإن أثبتنا الخيار في إجارة العين ، ففي ابتداء مدتها وجهان .

أحدهما : من وقت انقضاء الخيار بالتفرق . فعلى هذا لو أراد المؤجر أن يؤجره لغيره في مدة الخيار ، قال الإمام : لم يجزه أحد فيما أظن ، وإن كان محتملا في القياس .

وأصحهما : أنها تحسب من وقت العقد . فعلى هذا على من تحسب مدة الخيار ؟ إن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر ، فهي محسوبة على المؤجر ، وإن كانت بعده فوجهان ، بناء على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمن الخيار من ضمان من يكون ؟ الأصح : أنه من ضمان المشتري فعلى هذا ، يحسب على المستأجر ، وعليه تمام الأجرة .

والثاني : من ضمان البائع . فعلى هذا يحسب على المؤجر ، ويحط من الأجرة قدر ما يقابل تلك المدة .

وأما المساقاة ، ففي ثبوت خيار المجلس فيها طريقان .

أصحهما : على الخلاف في الإجارة . والثاني : القطع بالمنع ، لعظم الغرر فيها ، فلا يضم إليه غرر الخيار .

والمسابقة ، كالإجارة إن قلنا : إنها لازمة ، وكالعقود الجائزة إن قلنا : جائزة .

فرع

لو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس ، فثلاثة أوجه : أصحها : البيع باطل ، والثاني : أنه صحيح ولا خيار ، والثالث : صحيح ، والخيار ثابت ولو شرط نفي خيار الرؤية على قول صحة بيع الغائب فالمذهب : أن البيع باطل ، وبه قطع الأكثرون . وطرد الإمام والغزالي فيه الخلاف .

وهذا الخلاف يشبه الخلاف في شرط البراءة من العيوب .

ويتفرع على نفي خيار المجلس ما إذا قال لعبده : إن بعتك فأنت حر ، ثم باعه بشرط نفي الخيار ، فإن قلنا : البيع [ ص: 439 ] باطل أو صحيح ولا خيار لم يعتق .

وإن قلنا : صحيح والخيار ثابت ، عتق ; لأن عتق البائع في مدة الخيار نافذ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث