الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل متى تدفع النفقة

جزء التالي صفحة
السابق

فصل : وعليه دفع النفقة إليها في صدر كل يوم إلا أن يتفقا على تأخيرها ، أو تعجيلها لمدة قليلة ، أو كثيرة ، فيجوز ، وإن طلب أحدهما دفع القيمة لم يلزم الآخر ذلك . وعليه كسوتها في كل عام ، فإن قبضتها فسرقت ، أو تلفت لم يلزمه عوضها ، وإن انقضت السنة ، وهي صحيحة فعليه كسوة السنة الأخرى ويحتمل ألا يلزمه ، وإن ماتت أو طلقها قبل مضي السنة ، فهل يرجع عليها بقسط بقية السنة ؛ على وجهين ، وإذا قبضت النفقة فلها التصرف فيها على وجه لا يضر بها ، ولا ينهك بدنها ، وإن غاب مدة ولم ينفق ، فعليه نفقة ما مضى ، وعنه : لا نفقة لها إلا أن يكون الحاكم قد فرضها .

التالي السابق


فصل

( وعليه دفع النفقة إليها ) وهو دفع القوت ، لا بدله ، ولا حب ( في صدر كل يوم ) بطلوع الشمس ; لأنه أول وقت الحاجة ، وقيل : وقت الفجر ( إلا أن يتفقا على تأخيرها ، أو تعجيلها لمدة قليلة ، أو كثيرة ، فيجوز ) لأن الحق لهما ، لا يخرج عنهما كالدين بغير خلاف علمناه ، وتملكه بقبضه ، قاله في " الترغيب " ( وإن طلب أحدهما دفع القيمة لم يلزم الآخر ذلك ) لأنها معاوضة ، فلا يجبر عليها واحد منهما كالبيع ، وإن تراضيا عليه جاز ; لأنه طعام وجب في الذمة لآدمي معين فجازت المعاوضة عنه كالطعام في الفرض ، وظاهره أن الحاكم لا يملك فرض غير الواجب كدراهم مثلا إلا باتفاقهما ، فلا يجبر من امتنع ، قال في " الهدي " : لا أصل له في كتاب ، ولا سنة ، ولا نص عليه أحد من الأئمة ; لأنها معاوضة بغير الرضا عن غير مستقر ، قال في " الفروع " : وهذا [ ص: 197 ] متوجه مع عدم الشقاق وعدم الحاجة ، فأما مع الشقاق والحاجة كالغائب مثلا فيتوجه الفرض للحاجة إليه على ما لا يخفى ، ولا يقع الغرض بدون ذلك بغير الرضا . ( وعليه كسوتها في كل عام ) لأنه العادة ، ويكون الدفع في أوله ; لأنه وقت الوجوب ، وقال الحلواني ، وابنه ، وابن حمدان : في أول الصيف كسوة ، وفي أول الشتاء كسوة ، وفي " الواضح " كل نصف سنة وتملكها في الأصح بقبضها ( فإن قبضتها فسرقت ، أو تلفت لم يلزمه عوضها ) لأنها قبضت حقها ، فلم يلزمه غيره كالدين إذا وفاها إياه ، ثم ضاع منها ، لكن لو بليت في الوقت الذي يبلى فيه مثلها لزمه بدلها ; لأن ذلك من تمام كسوتها وإن بليت قبله لكثرة خروجها ودخولها ، فلا ، أشبه ما لو أتلفتها ، وإن مضى زمن يبلى فيه مثلها بالاستعمال ، ولم تبل فوجهان : أحدهما : لا يلزمه بدلها لأنها غير محتاجة إلى الكسوة ، والثاني : بلى ; لأن الاعتبار بمضي الزمان دون حقيقة الحاجة ، فلو أهدى إليها كسوة لم تسقط كسوتها ( وإن انقضت السنة ، وهي صحيحة فعليه كسوة السنة الأخرى ) قدمه في " المستوعب " ، و " المحرر " وصححه في " الفروع " ; لأن الاعتبار بمضي الزمان دون بقائها بدليل ما لو تلفت ( ويحتمل ألا يلزمه ) لأنها غير محتاجة إلى الكسوة ، وفي " الرعاية " فإن كساها السنة أو نصفها ، فسرقت ، أو تلفت فيها ، وقيل : في وقت يبلى مثلها ، أو تلفت ، فلا بدل عليه ، وقيل : هي إمتاع فيلزمه بدلها ككسوة القريب ، وإن بقيت صحيحة لزمه كسوة سنة أخرى إن قلنا : هي ملك ، وإن قلنا : إمتاع ، فلا ، كالمسكن وأوعية الطعام ، والماعون ، والمشط ، ونحوها . وفي غطاء ووطاء ، ونحوهما الوجهان ( وإن ماتت [ ص: 198 ] أو طلقها قبل مضي السنة فهل يرجع عليها بقسط بقية السنة ؛ على وجهين ) أحدهما : يرجع به . قدمه في " المحرر " ، و " الرعاية " وصححه في " الفروع " ; لأنه دفع لمدة مستقبلة كما لو دفع إليها نفقة مدة ، ثم طلقها قبل انقضائها ، والثاني : لا رجوع ; لأنه دفع إليها الكسوة بعد وجوبها عليه كما لو دفع إليها النفقة بعد وجوبها ، ثم طلقها قبل إكمالها ، بخلاف النفقة المستقبلة وكنفقة اليوم ، وقيل : ترجع بالنفقة ، وقيل : بالكسوة ، وقيل : كزكاة معجلة ، جزم به في " المنتخب " ، وقال ابن حمدان : لا يرجع فيهما إن بانت ويرجع إن أبانها بطلاق ، أو فسخ ، وعلى الأول يرجع إلا يوم الفرقة والسلف وهو أصح إلا على الناشز فيرجع عليها في الأصح ، وفي " عيون المسائل " لا ترجع بما وجب كيوم وكسوة سنة ، بل بما لم يجب ، ويرجع بنفقتها من مال غائب بعد موته بظهوره على الأصح ( وإذا قبضت النفقة فلها التصرف فيها ) من بيع وهبة وصدقة ، ونحو ذلك ; لأنها حقها فملكت التصرف فيها كسائر مالها ، لكن ذلك مشروط بقوله ( على وجه لا يضر بها ، ولا ينهك ) بفتح الياء أي يجهده ( بدنها ) فإن عاد عليها ضرر في بدنها ، أو نقص من استمتاعها لم تملكه لأنه يفوت حقه بذلك ، والكسوة كالنفقة في ذلك ، ويحتمل المنع ; لأن له استرجاعها لو طلقها في وجه ، بخلاف النفقة .

فرع : إذا أكلت معه عادة ، أو كساها بلا إذن ، ولم يتبرع سقطت ، وفي " الرعاية " : وهو ظاهر " المغني " أن نرى أن يعتد بها ( وإن غاب [ ص: 199 ] مدة ، ولم ينفق فعليه نفقة ما مضى ) ولم تسقط ، بل تكون دينا في ذمته ، سواء تركها لعذر ، أو غيره في ظاهر المذهب ، وقاله الأكثر لما روى الشافعي ، قال : أنا مسلم بن خالد ، عن عبيد الله بن عمر أن عمر كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم فأمرهم أن يأخذوهم بأن ينفقوا ، أو يطلقوا ، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما حبسوا . ورواه البيهقي أيضا ، قال ابن المنذر : وهو ثابت عن عمر ، ولأنه حق لها وجب عليه بحكم العوض فرجعت به عليه كالدين ، قال ابن المنذر : هذه نفقة وجبت بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ، ولا يزول ما وجب بهذه الحجج إلا بمثلها ، والكسوة والسكنى كالنفقة ، ذكره في " الرعاية الكبرى " ( وعنه : لا نفقة لها ) اختاره في " الإرشاد " ، وفي " الرعاية " ، أو الزوج برضاها ; لأنها نفقة تجب يوما فيوما فتسقط بتأخيرها إذا لم يفرضها الحاكم كنفقة الأقارب ، وجوابه : بأن نفقة الأقارب وصلة يعتبر فيها اليسار من المنفق والإعسار ممن تجب له ، بخلاف نفقة الزوجة ، وتثبت في ذمته حسبما وجبت لها ، موسرا كان أو معسرا ، ويصح ضمانها على الأول ; لأن مآله إلى الوجوب ( إلا أن يكون الحاكم قد فرضها ) فيلزم بحكمه رواية واحدة ; لأن فرضه حكم ، وحكمه لا ينقض ، وفي " الانتصار " أن أحمد أسقطها بالموت وعلل في " الفصول " الثانية بأنه حق ثبت بقضاء القاضي ، فلو استدانت وأنفقت ، رجعت . نقله أحمد بن هاشم ، ذكره في " الإرشاد " .

تتمة : الذمية كالمسلمة فيما ذكرنا في قول عامة العلماء لعموم النص ، والمعنى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث