الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 116 ] باب الإحرام يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل ويتنظف ويتطيب ، ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين إزارا ورداء ويتجرد عن المخيط ، ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما ، وينوي الإحرام بنسك معين ، ولا ينعقد إلا بالنية ويشترط فيقول : اللهم إني أريد النسك الفلاني فيسره لي وتقبله مني . وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني .

التالي السابق


باب الإحرام قال ابن فارس : هو نية الدخول في التحريم كأنه يحرم على نفسه النكاح ، والطيب ، وأشياء من اللباس كما يقال أشتى : إذا دخل في الشتاء ، وأربع : إذا دخل في الربيع .

وشرعا : هو نية النسك لا بنية ليحج أو يعتمر .

( يستحب لمن أراد الإحرام أن يغتسل ) ولو حائضا ونفساء ، ويتيمم لعدم ، ولا يضر حدثه بعد غسله قبل إحرامه ، ( ويتنظف ) بأخذ شعره ، وظفره ، وقطع رائحة ، لقول إبراهيم : كانوا يستحبون ذلك ، ثم يلبسون أحسن ثيابهم . رواه سعيد ، ولأن الإحرام عبادة فسن فيه ذلك كالجمعة ، ولأن مدته تطول ، ( ويتطيب ) لقول عائشة : كنت أطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم . رواه البخاري ، ومراده في بدنه ، وهو الذي ذكره أكثر المشايخ ، وأورده ابن حمدان مذهبا ، والمذهب يكره تطييب ثوبه ، وحرمه الآجري فيه ، وعلى المذهب لا فرق فيه بين أن تبقى عينه كالمسك أو أثره كالبخور فإن استدامه فلا كفارة لخبر يعلى بن أمية .

وأجيب بأنه عام حنين سنة ثمان ، وما سبق في حجة الوداع ، وامرأة كرجل ، فإن نقله من بدنه من مكان إلى آخر أو نقله عنه ، ثم رده أو نزعه ، ثم لبسه فدى بخلاف ما لو سال بعرق أو شمس ، ( ويلبس ثوبين أبيضين نظيفين إزارا ورداء ) ونعلين لما روى أحمد عن ابن عمر مرفوعا : ليحرم أحدكم في إزار ، ورداء ، ونعلين . قال ابن المنذر : ثبت ذلك ، ولا فرق فيه بين [ ص: 117 ] الجديد وغيره ، وفي " تبصرة " الحلواني إخراج كتفه الأيمن من الرداء أولى . وظاهره أنه يجوز إحرامه في ثوب واحد ، وفي " التبصرة " بعضه على عاتقه .

( ويتجرد ) الرجل ( عن المخيط ) وهو كل ما يخاط كالقميص ، والسراويل ; لأنه - عليه السلام - تجرد لإهلاله . رواه الترمذي ، وكان ينبغي تقديمه على اللبس ، لكن الواو لا تقتضي الترتيب ( ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما ) لحديث ابن عباس قال : إني لأعلم الناس بذلك ، خرج حاجا فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أهل بالحج حين فرغ منهما . رواه أحمد ، وأبو داود ، وما ذكره من استحباب الركعتين قبله هو قول أكثر العلماء ، ولا يركعهما وقت نهي ، ولا من عدم الماء والتراب ، والمذهب أنه يحرم عقيب صلاة فرضا كانت أو نفلا ، نص عليه ، وحكاه ابن بطال عن جمهور العلماء ; لأنه - عليه السلام - أهل في دبر صلاة . رواه النسائي . وعنه : عقبها . وظاهره أنه إذا ركب ، وإذا سار سواء ، واختار الشيخ تقي الدين عقب فرض إن كان وقته ، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه ، وقال في " الفروع " : ويتوجه إن كان بالميقات مسجد استحب صلاة الركعتين فيه ، ويستحب استقبال القبلة ، ثم إحرامه صح عن ابن عمر ، ( وينوي الإحرام بنسك معين ) لفعله - عليه السلام - ، وفعل من معه في حجة الوداع ، ولأن أحكام ذلك يختلف ، فاستحب تعينه ليترتب عليه مقتضاه ، وفي عبارته تسامح ; لأن الإحرام هو نية النسك فكيف ينوي النية ، وحمله ابن المنجا على أن معناه ينوي بنيته نسكا معينا ، ثم قال : والأشبه أنه شرط كما ذهب إليه بعض أصحابنا ; لأنه كنية الوضوء ، ( ولا ينعقد النسك إلا بالنية ) لقوله : إنما الأعمال بالنيات ، ولأنه عمل وعبادة محضة ، فافتقر إليها كالصلاة ، ونية النسك كافية ، نص عليه .

[ ص: 118 ] وفي " الانتصار " رواية مع تلبية أو سوق هدي ، اختاره الشيخ تقي الدين وجه الأول : أنه عبادة بدنية ليس في آخرها نطق واجب ، فكذا أولها كالصوم بخلاف الصلاة ، وأما الهدي : فإيجاب مال كالنذر ، ورفع الصوت بها لا يجب ، فكذا تابعه ، ولو سلم فهو للندب ، وفي " الفروع " : يتوجه احتمال تجب التلبية .

فرع : إذا نطق بغير ما نواه ، فالعبرة بالمنوي ، لا بما سبق لسانه ، حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه .

( و ) يستحب أن ( يشترط ) لقوله - عليه السلام - لضباعة بنت الزبير حين قالت له : إني أريد الحج ، وأجدني وجعة فقال : حجي ، واشترطي ، وقولي اللهم محلي حيث حبستني . متفق عليه . واستحبه الشيخ تقي الدين للخائف ، خاصة جمعا بين الأدلة .

( فيقول ) هذا راجع إلى تعيين النسك ، وعبارة " المحرر " أولى ( اللهم إني أريد النسك الفلاني ، فيسره لي وتقبله مني ) ولم يذكروا مثل هذا في الصلاة ; لقصر مدتها ، وتيسيرها عادة ، ( وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني ) لقول عائشة لعروة : قل اللهم إني أريد الحج فإن تيسر وإلا فعمرة . ويستفيد به أنه متى حبس بمرض أوعذر أو خطأ في طريق وغيره ، حل ، ولا شيء عليه ، نص عليه ، لكن قال : في " المستوعب " وغيره : إلا أن يكون معه هدي فيلزمه نحره ، فلو قال : فلي أن أحل خير ، ولو شرط أن يحل متى شاء أو إن أفسده لم يقضه لم يصح ذكره القاضي وغيره ; لأنه [ ص: 119 ] لا عذر له في ذلك ، وقيل : يصح اشتراطه بقلبه ; لأنه تابع للإحرام ، وينعقد بالنية فكذا هو .

فرع : يبطل إحرامه ، ويخرج منه بردته لا بجنون ، وإغماء ، وسكر كموت ، ولا ينعقد مع وجود أحدها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث