الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


587 [ ص: 80 ] ( 6 ) باب زكاة أموال اليتامى والتجارة لهم فيها

547 - ذكر فيه مالك ; أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال : اتجروا في أموال اليتامى ، لا تأكلها الزكاة .

548 - وعن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ; أنه قال : كانت عائشة تليني ، وأخا لي ، يتيمين في حجرها . فكانت تخرج من أموالنا الزكاة .

549 - وأنه بلغه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تعطي أموال اليتامى [ ص: 81 ] الذين في حجرها ، من يتجر لهم فيها .

التالي السابق


12517 - قال أبو عمر : روي عن علي بن أبي طالب ، وعبد الله بن عمر ، والحسن بن علي ، وجابر أن الزكاة واجبة في مال اليتيم كما رواه مالك عن عمر ، وعائشة .

12518 - وقال بقولهم من التابعين عطاء ، وجابر بن زيد ، ومجاهد ، وابن سيرين .

12519 - وبه قال مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والحسن بن حي ، والليث بن سعد .

12520 - وإليه ذهب أبو ثور ، وأحمد بن حنبل وجماعة .

12521 - وذكر أحمد ، قال : حدثنا وكيع ، قال : حدثنا القاسم بن فضل الحراني ، عن معاوية بن قرة ، عن الحكم بن أبي العاص الثقفي ، قال : قال عمر : [ ص: 82 ] لو عندي مال يتيم قد كادت الصدقة أن تأتي عليه .

12522 - وذكر عن القطان ، عن حسين المعلم ، عن مكحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر : ابتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة .

12523 - قال أحمد : أخبرنا يزيد بن هارون عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، أنه كان يزكي مال اليتيم .

12524 - قال : وحدثنا ابن مهدي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن لأبي رافع ، قال : باع لنا علي أرضا ثمانين ألفا ثم أعطاناها فإذا هي تنقص ، فقال : إني كنت أزكيها .

12525 - وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن أبي الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول في الذي يلي مال اليتيم ، قال : يعطي زكاته .

[ ص: 83 ] 12526 - قال أبو عمر : فهذا من طريق الإتباع وأما من طريق النظر والقياس على ما أجمع علماء المسلمين عليه من زكاة ما تخرجه أرض اليتيم من الزرع والثمار ، وهو مما لا يختلف فيه حجازي ولا عراقي من العلماء .

12527 - وقد أجمعوا أيضا أن في مال من لم يبلغ ولم تجب عليه صلاة أرش ما يجنيه من الجنايات ، وقيمة ما يتلفه من المتلفات .

12528 - وأجمعوا على أن الحائض والذي يجن أحيانا لا يراعى لهم مقدار أيام الحيض والجنون من الحول .

12529 - وهذا كله دليل على أن الزكاة حق المال ليست كالصلاة التي هي حق البدن فإنها تجب على من تجب عليه الصلاة وعلى من لا تجب عليه .

12530 - وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة ، وأصحابه : لا زكاة في مال يتيم ولا صغير إلا فيما تخرج أرضه من حب أو تمر .

12531 - وهو قول جمهور أهل العراق ، وإليه ذهب الأوزاعي .

12532 - إلا أن الأوزاعي ، والثوري قالا : إذا بلغ اليتيم فادفع إليه ماله وأعلمه بما وجب عليه لله فإن شاء زكى وإن شاء ترك .

12533 - وقال أبو عمر : هذا ضعيف من القول .

12534 - وقال ابن أبي ليلى : في أموال اليتامى الزكاة وإن أداها [ ص: 84 ] عنهم الوصي غرم .

12535 - وهذا أيضا في الموصى المأمون أضعف مما مضى .

12536 - وقال ابن شبرمة : لا زكاة في مال اليتيم الذهب والفضة ، وأما الماشية وما أخرجت أرضه ففي ذلك الزكاة .

12537 - وهذا أيضا تحكم ، إلا أن الشبهة فيه ما كان السعاة يأخذونه عاما .

12538 - ومدار المسألة على قولين : قال أهل الحجاز بإيجاب الزكاة في أموال اليتامى ، وقول أبي حنيفة ومن تابعه أن لا زكاة في أموالهم إلا ما تخرجه الأرض .

12539 - زعم الطحاوي أن الفرق بين ما تخرجه أرض الصغير وبين سائر ماله أن الزكاة حق طارئ على ملك ثابت للمالك قبل وجوب الحق فهو طهرة ، والزكاة لا تلزم إلا من تلحقه الطهارة ، والركاز وثمرة النخل والزرع لحدوثها يجب حق الزكاة فيها فلا يملكها مالكها إلا وهو حق واجب للمساكين ، فصار كالشركة فاستوى فيه حق الصغير والكبير .

12540 - قال أبو عمر : محال أن تجب الصدقة إلا على ملك ، فكيف لا يملك ما يخرج من الأرض حتى وجبت فيه الزكاة ؟ ومعلوم أن الزكاة إنما وجبت فيما أخرجته الأرض على ملك أصل ما زرع وما أخرجته ، ولا فرق بين ذلك وبين سائر ما تجب فيه الزكاة من ماله إلا حيث فرقت السنة من مرور [ ص: 85 ] الحول . فهذا هو الصحيح وما خالف هذا فلا وجه له ولا معنى يصح ، والله أعلم .

12541 - وقد أجمعوا أنه مالك له إذا حل بيعه فإنما قبل حصاده ، والله عز وجل يقول : وآتوا حقه يوم حصاده ( 141 من سورة الأنعام ) .

12542 - وكذلك لا معنى لتشبيهه بالركاز ؛ لأن الركاز لا تجري مجرى الصدقة ، إنما تجري مجرى الفيء ، وبنفس الغنيمة يجب الخمس فيها لمن سمى الله عز وجل .

12543 - وأحسن ما يحتج به لهم ، والله أعلم ، أن من وجبت عليه الصدقة مأمور بأدائها ، والطفل غير جائز أن يتوجه إليه خطاب بأمر أو نهي ؛ لأنه غير مكلف .

12544 - لكن الإجماع فيما تخرجه أرضه يدل على أن حكم الزكاة في ماله ليس كحكم ما يلزمه في بدنه من الفرائض ، والله أعلم .

12545 - وممن قال بأن لا زكاة في مال اليتيم ولا الصغير أبو وائل وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ، والحسن البصري وسعيد بن جبير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث