الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


626 [ ص: 332 ] ( 27 ) باب من تجب عليه زكاة الفطر

586 - ذكر فيه مالك ، عن نافع ; أن عبد الله بن عمر كان يخرج [ ص: 333 ] زكاة الفطر عن غلمانه بوادي القرى وبخيبر .

587 - وذكر أن الرجل يلزمه زكاة الفطر عن كل من يضمن نفقته وعن مكاتبه وعن مدبره ورقيقه غائبهم وشاهدهم للتجارة كانوا أو لغير تجارة إذا كان مسلما .

التالي السابق


13518 - قال أبو عمر : اختلف الفقهاء فيمن تلزم السيد زكاة الفطر عنه من عبيده الكفار وغيرهم والغائب منهم والحاضر .

13519 - فقال مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو ثور : ليس على أحد أن يؤدي عن عبده الكافر صدقة الفطر ؛ وإنما هي على من صام وصلى .

13520 - وهو قول سعيد بن المسيب والحسن .

13521 - وحجتهما قوله عليه السلام في حديث ابن عمر : " من المسلمين " . فدل أن حديث الكفار بخلاف ذلك .

13522 - وقال الثوري وسائر الكوفيين : عليه أن يؤدي زكاة الفطر عن عبده الكافر .

13523 - وهو قول عطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد [ ص: 334 ] العزيز ، والنخعي .

13524 - وروي ذلك عن أبي هريرة ، وابن عمر .

13525 - ولا يصح - والله أعلم - عندي عن ابن عمر ؛ لأن الذي يروي مالك عن نافع ، عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فرض زكاة الفطر على الحر والعبد ، على الذكر والأنثى من المسلمين . فكيف يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ويوجب زكاة الفطر عن الكافر ؟ هذا يبعد .

13526 - إلا أن قول مالك في هذا الحديث " من المسلمين " قد خالفه فيه غيره من حفاظ حديث نافع ; وسنذكر ذلك عند ذكر مالك لهذا الحديث في أول باب مكيلة زكاة الفطر ، إن شاء الله .

13527 - واحتج الطحاوي للكوفيين في إجازة زكاة الفطر على العبد الكافر بأن قوله عليه السلام : " من المسلمين " يعني من تلزمه إخراج الزكاة عن نفسه وعن غيره ، ولا يكون إلا مسلما ، فأما العبد فلا يدخل في هذا الحديث ؛ لأنه لا يملك شيئا ولا يقضي عليه شيء ؛ وإنما أريد بالحديث ملك العبد ، فأما العبد فلا حرمة في نفسه لزكاة الفطر .

13528 - ألا ترى إلى إجماع العلماء في العبد يعتق قبل أن يؤدي عنه سيده زكاة الفطر أنه لا تلزمه إذا ملك بعد ذلك مالا إخراجها عن نفسه ، كما [ ص: 335 ] يلزمه إخراج كفارة ما حنث فيه من الأيمان ، فهو عند رأيه لا يكفرها بصيام ، ولو لزمته صدقة الفطر لأداها عن نفسه بعد عتقه .

13529 - قال أبو عمر : قوله عليه السلام : " من المسلمين " . يقضي لمالك والشافعي ، وهذا القضاء أيضا لأنها طهرة للمسلم وتزكية ، وهو سبيل الواجبات من الصدقات ، والكافر لا يتزكى فلا وجه لأدائها عنه .

13530 - أخبرنا أحمد بن محمد ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا مطرف بن عبد الرحمن ، حدثنا يحيى بن بكير ، عن مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر من المسلمين " .

13531 - وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا بكر بن حماد ، حدثنا مسدد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن النعمان بن راشد ، عن الزهري ، عن ثعلبة بن أبي زهير ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر " صاع من بر عن كل اثنين ، أو صاع من شعير عن كل واحد صغير أو كبير ، حر أو عبد ، ذكر أو أنثى من المسلمين ، أما غنيكم فيزكيه الله ، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه " .

[ ص: 336 ] 13532 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمود بن خالد الدمشقي ، وعبد الله بن عبد الرحمن ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة الصيام من اللغو والرفث وطعمة للمساكين . . . ، وذكر تمام الخبر .

13533 - فهذه الآثار كلها تشهد بصحة من قال : إن زكاة الفطر لا تكون إلا عن مسلم ، والله أعلم .

13534 - وقال أبو ثور : يؤدي العبد عن نفسه إن كان له مال .

13535 - وهو قول عطاء وداود .

13536 - وقال مالك : يؤدي الرجل زكاة الفطر عن مكاتبه .

13537 - وهو قول عطاء ، وبه قال أبو ثور .

13538 - وحجتهم ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن جماعة من أصحابه : " المكاتب عبد ما بقي عليه شيء " .

13539 - وقال الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : الزكاة عليه في مكاتبه ؛ لأنه لا ينفق عليه ، ومما انفرد بكسبه دون المولى ولا [ ص: 337 ] سبيل لمولاه إلى أخذ شيء من ماله غير أنجم كتابه ، وجائز له أخذ الصدقة وإن كان مولاه غنيا .

13540 - وكان عبد الله بن عمر يخرج زكاة الفطر عن عبيده ، ولا يخرجها عن مكاتبيه ، ولا مخالف له من الصحابة .

13541 - وقال الشافعي : ولا يؤدي المكاتب عن نفسه .

13542 - واختلفوا في عبيد التجارة .

13543 - فذهب مالك والشافعي والأوزاعي إلى أن في عبيد التجارة زكاة الفطر .

13544 - وبه قال أحمد ، وإسحاق .

13545 - وحجتهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " على كل حر وعبد " ، وهو على عمومه في كل العبيد إذا ما استثنى في الحديث " من المسلمين " .

13546 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وعبيد الله بن الحسن العنبري : ليس في عبيد التجارة صدقة الفطر .

[ ص: 338 ] 13547 - وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وإبراهيم النخعي .

13548 - ولم يختلفوا في المدبر أن على السيد زكاة الفطر عنه . إلا أبا ثور وداود فهما على أصلهما في أن زكاة الفطر على العبد دون سيده عندهما .

13549 - واختلفوا في العبد الغائب عن سيده ، هل عليه فيه زكاة الفطر آبقا كان أو مغصوبا ؟

13550 - فقال مالك : إذا كانت غيبة الآبق قريبة علمت حياته أو لم تعلم يخرج عنه سيده زكاة الفطر إذا كانت رجعته يرجى وترجى حياته ولم يعلم موته .

13551 - قال : فإن كانت غيبته وإباقه قد طال ويئس منه فلا أرى أن يزكي عنه .

13552 - وقال الشافعية تؤدى زكاة الفطر عن المغصوب والآبق وإن لم ترج رجعتهم إذا علمت حياتهم ، فإن لم تعلم حياتهم فلا .

13553 - وهو قول أبي ثور وزفر .

[ ص: 339 ] 13554 - وقال أبو حنيفة في العبد الآبق والمغصوب : ليس على مولاه فيه زكاة الفطر .

13555 - وهو قول الثوري وعطاء .

13556 - وروى أنس بن عمر عن أبي حنيفة أن عليه في الآبق صدقة الفطر .

13557 - وقال الأوزاعي : إذا علمت حياة العبد أديت عنه زكاة الفطر ، وإن كان في دار الإسلام .

13558 - وقال الزهري : إن علم مكان الآبق أدي عنه زكاة الفطر .

13559 - وبه قال أحمد بن حنبل .

13560 - واختلفوا في العبد المرهون ، فمذهب مالك والشافعي أن يؤدي عنه زكاة الفطر .

13561 - وهو قول أبي ثور .

13562 - وقال أبو حنيفة : إن كان عند الراهن وفاء بالدين الذي رهن فيه عبده ، وفضل مائتي درهم زكى عنه زكاة الفطر ، وإن لم يكن عنده فلا شيء عليه .

13563 - واختلفوا في العبد يكون بين الشريكين ، فقال مالك والشافعي : يؤدي كل واحد منهما عنه من زكاة الفطر بقدر ما يملك .

[ ص: 340 ] 13564 - وهو قول محمد بن الحسن .

13565 - وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر والثوري والحسن بن حي : ليس على واحد منهما فيه صدقة الفطر .

13566 - وهو قول الحسن وعكرمة .

13567 - واختلفوا أيضا في العبد المعتق بعضه ، فقال مالك : يؤدي السيد عن نصفه المملوك ، وليس على العبد أن يؤدي عن نصفه الحر .

13568 - وقال عبد الملك بن الماجشون : على السيد أن يؤدي عنه صاعا كاملا .

13569 - وقال الشافعي : يؤدي السيد عن النصف المملوك ويؤدي العبد عن نصفه الحر .

13570 - وبه قال محمد بن سلمة ، قال : يؤدي عن نفسه بقدر حريته . قال : فإن لم يكن للعبد مال رأيت لسيده أن يزكي عنه .

13571 - وقال أبو حنيفة : ليس على السيد أن يؤدي عما ملك من العبد إلا أن يملكه كله ، ولا على العبد أن يؤدي عن نفسه لما فيه من الحرية .

13572 - وقال أبو ثور ، ومحمد بن الحسن : على العبد أن يؤدي عن نفسه زكاة الفطر ، وهو بمنزلة العبد إذا عتق نصفه وكأنه قد عتق كله .

13573 - واختلفوا في العبد يباع بالخيار ، فقال مالك : يؤدي عنه البائع .

[ ص: 341 ] 13574 - وقال الشافعي إن كان الخيار للبائع وأنفذ البيع فإنه يؤدي عنه البائع ، وإن كان الخيار للمشتري أو لهما فعلى المشتري .

13575 - وقال أبو حنيفة : إذا كان أحدهما بالخيار فصدقة الفطر عن العبد على من يصير إليه .

13576 - وقال زفر : الزكاة على من له الخيار فسخ أو أجاز .

13577 - واختلفوا في العبد الموصى برقبته لرجل ولآخر بخدمته ، فقال عبد الملك بن الماجشون : الزكاة عنه على من جعلت له الخدمة إذا كان زمانا طويلا .

13578 - وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأبو ثور : زكاة الفطر عنه على مالك رقبته .

13579 - واختلفوا في عبيد العبيد .

13580 - فقال مالك : ليس عليه في عبيد عبيده صدقة الفطر . وهو الأمر عندنا .

13581 - وقال أبو حنيفة ، والشافعي : صدقة الفطر عنهم على السيد الأعلى .

[ ص: 342 ] 13582 - وقال الليث بن سعد : يخرج عن عبيد عبيده زكاة الفطر ولا يؤدي عن مال عبده الزكاة .

13583 - وأما قول مالك أن الرجل يلزمه زكاة الفطر عن كل من يضمن نفقته ،

فقد وافقه على ذلك : الشافعي ، وقولهما جميعا : أن زكاة الفطر تلزم الرجل في كل من تجب عليه نفقته ، من غير أن يكون له تركها ، وذلك من تلزمه نفقته بسبب كالأبناء الفقراء ، والآباء الفقراء .

13584 - إلا أن مالكا لا يرى النفقة على الابن البالغ وإن كان فقيرا .

13585 - والشافعي يرى النفقة على الأبناء الصغار والكبار والزمنى ، والنفقة على الآباء الفقراء والأمهات ، وكذلك من تلزمه عندهما نفقته بنكاح كالزوجات ، وملك اليمين كالإماء والعبيد .

13586 - وذكر ابن عبد الحكم عن مالك أنه قال : ليس عليه في رقيق امرأته زكاة الفطر إلا من كان يخدمه وذلك واحد لا زيادة .

13587 - وقال ابن وهب عن الليث ، عن يحيى بن سعيد : يؤدي الرجل عن أهله ورقيقه ، ولا يؤدي عن الأجير ، ولكن الأجير المسلم يؤدي عن نفسه .

[ ص: 343 ] 13588 - وهو قول ربيعة .

13589 - وقال الليث : إذا كانت إجارة الأجر معلومة فليس عليه أن يؤدي عنه ، وإن كانت يده مع يده ، وينفق عليه ويكسوه أدى عنه .

13590 - قال الليث : وليس عليه أن يؤدي عن رقيق امرأته .

13591 - وأما اختلافهم في الزوجة ، فقال مالك ، والشافعي ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : على زوجها أن يخرج عنها زكاة الفطر ، واجبة عليه عنها وعن كل من يمون ممن تلزمه نفقته .

13592 - وهو قول ابن علية أنها واجبة على الرجل في كل من يمون ممن تلزمه نفقته .

13593 - وقال الثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه : ليس على الزوج أن يؤدي عن زوجته ولا عن خادمها زكاة الفطر ، وعليها أن تؤدي ذلك عن نفسها وخادمها .

13594 - قالوا : وليس على أحد أن يؤدي إلا عن ولده الصغير وعبده .

13595 - قال أبو عمر : قد أجمعوا أن عليه أن يؤدي عن ابنه الصغير إذا لزمته نفقته فصار أصلا يجب القياس ورد ما اختلفوا فيه إليه ، فوجب في ذلك أن تجب عليه في كل من تلزمه نفقته ، وبالله التوفيق .

13596 - وقد ناقض الكوفيون في الصغير ؛ لأن معنى قول ابن عمر [ ص: 344 ] عندهم : فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى ، الصغير والكبير ، الحر والعبد ; يعنون كلا عن نفسه ، وهذه مناقضة في الصغير .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث