الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

لمن يكتب المستشرقون؟

لم نكن بحاجة إلى هـذا العناء، وتناول هـذا الموضوع -موضوع المستشرقين وأعمال المستشرقين- أصلا، لو أن بني قومنا عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو أن المثقف المسلم، وصاحب القلم المسلم، ورجل الفكر المسلم عرفوا لمن يكتب المستشرقون، لو وقفوا من هـذه الأعمال الاستشراقية الموقف الصحيح فتركوها، لمن كتبت له؟

لم يكن المستشرقون -في تقديري- يتوجهون بهذه الأعمال، وبهذه البحوث كلها إلا إلى المثقف الغربي، يخافون عليه، ويحصنونه، من أن يقع في إسار الإسلام، دينا وفكرا وحضارة، كأن الاستشراق -بهذه الأعمال- يريد أن يضرب ستارا كثيفا من التشويش والتشويه بين المثقف الأوروبي وبين الإسلام. [ ص: 47 ] كانت الصليبية الأوربية -والاستشراق لسانها- تخشى أن يملأ نور الإسلام قلوب المسيحيين الأوروبيين، كما ملأ قلوب المسيحيين في الشام، وفي مصر، وفي الشمال الإفريقي، وفي الأندلس، فدخل المسيحيون في كل هـذه الأصقاع (طائعين مختارين) في نور الإسلام، وتكلموا لغة القرآن، وحملوا رايته، وجاهدوا في سبيله، وقاتلوا أعداءه.

كانت المسيحية الأوربية في فزع فازع، وكان أحبار الكنيسة، ورهبانها يخشون أن يصل نور الإسلام إلى أوربا، فيبدد ظلام الكنيسة، ويحطم سلطانها، ويحرم رجالها غنائمهم، ومن هـنا عمد المستشرقون -وهم لسان الكنيسة- إلى هـاتيك الدراسات؛ ليجعلوها عصابة على عيون أبناء الكنيسة ورعاياها. كما أوضحنا ذلك في صفحات سابقة.

ومن هـنا نجدهم في كتاباتهم الأولى يكتفون بالسب والشتم في الإسلام وفي رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم ، وتنزه عما قالوا، واختلاق الأكاذيب عن المسلمين، ونظام حياتهم ومجتمعاتهم، ثم تطورت هـذه الدراسات رويدا رويدا فبعد أن كانت في أول أمرها فجة ساذجة، صارت تتجه إلى الترتيب والتنسيق والاستدلال، وأخذت في التعميق، وارتداء ثوب البحث، وطيلسان الأكاديمية، ولكنها ظلت وفية لهدفها الأول، لم تنسه ولم تتخل عنه، وهو تحصين الإنسان الأوروبي ضد الإسلام.

ويظن بعض من أبناء أمتي حين يرون هـذا التغير أن هـذا تطور في الدراسات الاستشراقية، وتغيير للأهداف، وتنازل عن الأحقاد، وأن القوم ثابوا إلى الإنصاف، فكفوا عن السب والشتم والتقبيح، ومالوا إلى العلمية، والتزموا بالموضوعية.

ولكن الواقع أنه ليس في الأمر موضوعية، ولا منهجية، ولا اعتدال، ولا استقامة، وإنما كان هـذا التغير أو التطور في الأساليب فقط، وكان تغيير الأساليب ضرورة أملتها الظروف وواقع الحال، كان لا بد من تغيير الأساليب لتتلاءم وتتواءم مع المواطن الأوروبي المسيحي نفسه؛ المخاطب أصلا [ ص: 48 ] بالدراسات الاستشراقية، فحيثما كان العصر عصر أمية وجهالة وهمجية كان يكفيهم أن يكتبوا لهم سبا وشتما في الإسلام ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وفي المسلمين، حتى يقبحوه ويشوهوه في أعينهم، وينفروهم منه، أما مع التطور والاستنارة، ومعرفة هـؤلاء الأوروبيين بالمسلمين والإسلام؛ نتيجة للاحتكاك في القتال، والتجارة والانتقال، فكان لا بد من أن يغير هـؤلاء أساليبهم؛ حتى تنطلي على عقول الأجيال الجديدة، وكان تغيير الأساليب يتلاءم ويتواءم مع درجة معرفة هـؤلاء عن الإسلام والمسلمين.

كان هـذا هـو تفسيرنا للتطور (المزعوم) للاستشراق، قلناه من واقع الاستقراء لأحداث التاريخ، ولأدوار الصراع المرير، الذي لم ينقطع بين الصليبية والإسلام، ومن واقع ما رأيناه في أبحاثهم من التواء بالمنهج، وطمس للحقائق.

ثم بعد ذلك قرأناه صريحا مكشوفا في كلام المستشرق الإنجليزي المعاصر مونتجومري وات وهو يتحدث عن (مآخذ أخلاقية مزعومة) ، ادعاها الغربيون في كتاباتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (ليس بين كبار رجال العالم رجل كثر شانئوه كمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن الصعب [1] فهم السبب الذي دعا إلى ذلك؛ فقد كان الإسلام خلال قرون عدة العدو الأكبر للمسيحية) [2] .

ولم تكن المسيحية في الحقيقة على اتصال مباشر بأية دولة أخرى منظمة توازي الإسلام في القوة، فلقد هـوجمت الإمبراطورية البيزنطية بعد أن فقدت مقاطعاتها في سورية ومصر وآسيا الصغرى ، بينما كانت أوربا الغربية مهددة في أسبانيا وصقلية . [ ص: 49 ] وأخذت الدعاية الكبرى في العصور الوسطى -حتى قبل أن توحد الحرب الصليبية اهتمام المسيحيين حول طرد العرب من الأرض المقدسة- تعمل على إقرار فكرة (العدو الأكبر) في الأذهان، ولو كانت تلك الدعاية خالية من كل موضوعية.

وأصبح محمد (أمير الظلمات) ، حتى إذا ما حل القرن الحادي عشر، كان للأفكار الخرافية المتعلقة بالإسلام والمسلمين -والقائمة في أذهان الصليبيين- تأثير يؤسف له.

فلقد أنذر الصليبيون بأن ينتظروا أسوأ الأمور من الأعداء، ولما وجدوا بين هـؤلاء الأعداء كثيرا من المحاربين الفرسان شعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية.

ولهذا حاول بطرس الراهب أن يعالج هـذا الوضع بإذاعة معلومات أصدق عن محمد والديانة التي يدعو إليها. وقد حدث تطور كبير في هـذا السبيل، ولا سيما منذ قرنين من الزمن، وإن ظل كثير من الأوهام عالقا في الأذهان [3] .

فها هـو يكشف عن سر هـذا التطور: (وجدوا -أي: الصليبيين- بين هـؤلاء الأعداء -أي: المسلمين- كثيرا من المحاربين الفرسان -أي: النبلاء والأبطال- فشعروا بالريبة من السلطات الدينية المسيحية، هـكذا اطلع مسيحو أوروبا أثناء الحرب الصليبية على صورة المسلمين، غير الصورة التي صورها لهم رهبانهم المستشرقون، فحاول بطرس الراهب -من قواد الحروب الصليبية ومشعلي أوارها- أن يعالج هـذا الوضع -الشعور بالريبة من السلطات الدينية المسيحية- بإذاعة معلومات أصدق عن محمد صلى الله عليه وسلم والديانة التي يدعو إليها) . [ ص: 50 ] وبعد ذلك، ومع ذلك، نجد من (الأساتذة الكبار) من يبشر فينا بتطور الدراسات الاستشراقية، والتزامها بالمنهج، وأصول البحث، وتجردها ونزاهتها.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث