الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة حلف أن لا يفعل أمرا كذا حينا فبقي طرفة عين ثم فعله

جزء التالي صفحة
السابق

1157 - مسألة :

ومن حلف أن لا يفعل أمرا كذا حينا أو دهرا أو زمانا أو مدة أو برهة أو وقتا ، أو ذكر كل ذلك بالألف واللام - أو قال مليا ، أو قال : عمرا ، أو العمر ، فبقي مقدار طرفة عين لم يفعله ، ثم فعله ، فلا حنث عليه ، لأن كل جزء من الزمان زمان ، ودهر ، وحين ، ووقت ، وبرهة ، ومدة .

وقد اختلف السلف في الحين - : فقالت طائفة : الحين سنة - : روينا من طريق ابن وهب عن الليث بن سعد كان علي بن أبي طالب يقول : أرى الحين سنة .

وقد روي من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : الحين سنة .

ومن طريق شعبة عن الحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان ، قالا جميعا : الحين سنة - وعن عكرمة مثله .

وهو قول مالك ، قال : إلا أن ينوي غير ذلك فله ما نوى .

وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن المثنى عن محمد بن عبد الله الأنصاري عن محمد بن علي بن الحسين أنه سئل في رجل حلف على امرأته : أن لا تفعل فعلا ما إلى حين ؟ فقال : أي الأحيان أردت ؟ فإن الأحيان ثلاثة - : قال الله عز وجل : { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها } . كل ستة أشهر . وقوله تعالى : { ليسجننه حتى حين } فذلك ثلاثة عشر عاما . [ ص: 320 ] وقوله تعالى : { ولتعلمن نبأه بعد حين } فذلك إلى يوم القيامة .

وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق إسماعيل بن إسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر قال الحسن البصري : { تؤتي أكلها كل حين } ما بين ستة أشهر إلى تسعة أشهر ، وذهب طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا المغيرة بن سلمة بن هشام المخزومي نا وهيب بن خالد نا ابن حرملة : أن رجلا سأل سعيد بن المسيب عن يمينه أن لا تدخل امرأته على أهلها حينا ؟ فقال سعيد ; الحين ما بين أن تطلع النخل إلى أن ترطب { تؤتي أكلها كل حين }

وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق عن محمد بن عبيد عن محمد بن ثور عن معمر عن قتادة : { تؤتي أكلها كل حين } قال : تؤكل ثمرتها في الشتاء والصيف .

وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري حدثني طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال " الحين ستة أشهر " وهو قول سعيد بن جبير ، والشعبي .

وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا يزيد بن هارون أنا هشام هو ابن حسان - عن عكرمة أن عمر بن عبد العزيز سألهم عمن قال : لا أفعل أمرا كذا حينا ؟ فقال له عكرمة : إن من الحين ما يدرك وما لا يدرك - : فالذي لا يدرك قوله عز وجل : { ومتعناهم إلى حين } . والذي يدرك قوله تعالى : { تؤتي أكلها كل حين } فأراه من حين تثمر إلى حين تصرم ستة أشهر . فأعجب ذلك عمر بن عبد العزيز - .

وبه يقول أبو حنيفة ، والأوزاعي ، وأبو عبيد .

وقال أبو حنيفة : إلا أن ينوي مدة ما فله ما نوى .

وذهبت طائفة إلى ما رويناه من طريق محمد بن المثنى نا يزيد بن هارون عن محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن المسيب قال : الحين شهران ، النخلة تطلع السنة كلها إلا شهرين . [ ص: 321 ]

وذهبت طائفة إلى ما روينا من طريق محمد بن المثنى نا أبو معاوية الضرير نا الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : الحين قد يكون غدوة وعشية - وهو قول الشافعي ، وأبي سليمان .

وروينا من طريق وكيع عن أبي جعفر عن طاووس قال : الزمان شهران .

قال أبو محمد : المرجوع إليه عند التنازع كلام الله تعالى : وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فوجدناه تعالى قد قال : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } فهذا مذ خلق الله عز وجل مبدأ العالم إلى خلق آدم عليه السلام ، ونسم بنيه ، وإلى وقت نفخ الروح في كل واحد منا .

وقال تعالى : { ولتعلمن نبأه بعد حين } فهذا إلى يوم القيامة .

وقال تعالى : { ومتعناهم إلى حين } فهذا مدة عمر الإنسان إلى أن يموت .

وقال تعالى : { ليسجننه حتى حين } .

وقال تعالى : { فلبث في السجن بضع سنين } والبضع ما بين الثلاث إلى التسع .

وقال الله تعالى : { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون } فسمى الله تعالى المساء حينا ، والإصباح حينا ، والظهيرة حينا .

فصح بذلك ما ذكرناه ، وبطل قول من حد حدا دون حد .

ووجدنا احتجاجهم بالنخلة عليهم لا لهم ، لأننا نشاهدها يرطب منها ما كان زهوا ، ويزهى ما كان بسرا ، ويبسر منها ما كان بلحا ، ويبلح منها ما كان طلعا ، ففي كل ساعة تؤتي أكلها - وبالله تعالى التوفيق .

ولأبي حنيفة هنا تخاليط عظيمة - : منها - أنه قال : من حلف أن لا يكلم فلانا زمانا ، أو الزمان ، أو حينا أو الحين ، أو مليا ، أو طويلا ، فهو كله ستة أشهر ، إلا أن ينوي مدة ما فله ما نوى - وروي عنه أيضا في قوله مليا : أنه شهر واحد . [ ص: 322 ]

فإن حلف لا يكلمه دهرا ؟ قال أبو حنيفة : لا أدري ما الدهر ؟ وقال أبو يوسف ، ومحمد : هو ستة أشهر .

فإن قال : لا أكلمه الدهر ؟ قال أبو يوسف : هو على الأبد .

وقال محمد بن الحسن : ستة أشهر .

فإن حلف أن لا يكلمه إلى بعيد - فهو أكثر من شهر .

قال أبو يوسف شهر ويوم : فإن حلف أن لا يكلمه إلى قريب ، فهو أقل من شهر .

فإن حلف أن لا يكلمه عمرا فإن أبا يوسف قال : ستة أشهر - وروي عنه أنه واحد إلا أن ينوي مدة ما فله ما نوى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث