الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الباب الثاني من الجملة الثالثة .

[ صلاة الجماعة ]

وهذا الباب الكلام المحيط بقواعده فيه فصول سبعة : أحدها : في معرفة حكم صلاة الجماعة . والثاني : في معرفة شروط الإمامة ، ومن أولى بالتقديم وأحكام الإمام الخاصة به . الثالث : في مقام المأموم من الإمام والأحكام الخاصة بالمأمومين . الرابع : في معرفة ما يتبع فيه المأموم الإمام مما ليس يتبعه . الخامس : في صفة الاتباع . السادس : فيما يحمله الإمام عن المأمومين . السابع : في الأشياء التي إذا فسدت لها صلاة الإمام يتعدى الفساد إلى المأمومين . الفصل الأول

في معرفة حكم صلاة الجماعة .

في هذا الفصل مسألتان : إحداهما : هل صلاة الجماعة واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة . المسألة الثانية : إذا دخل الرجل المسجد وقد صلى ، هل يجب عليه أن يصلي مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها أم لا ؟ .

[ المسألة الأولى ]

[ وجوب الجماعة على من سمع النداء ]

أما المسألة الأولى فإن العلماء اختلفوا فيها ، فذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية .

وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف .

والسبب في اختلافهم : تعارض مفهومات الآثار في ذلك ، وذلك أن ظاهر قوله - عليه الصلاة والسلام - : [ ص: 120 ] " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة أو بسبع وعشرين درجة " يعني أن الصلاة في الجماعات من جنس المندوب إليه ، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة ، فكأنه قال - عليه الصلاة والسلام - : صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد ، والكمال إنما هو شيء زائد على الإجزاء ، وحديث الأعمى المشهور حين استأذنه في التخلف عن صلاة الجماعة ; لأنه لا قائد له ، فرخص له في ذلك ، ثم قال له - عليه الصلاة والسلام - : أتسمع النداء ؟ قال : نعم ، قال : لا أجد لك رخصة " هو كالنص في وجوبها مع عدم العذر ، خرجه مسلم .

ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته ، وهو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء " وحديث ابن مسعود ، وقال فيه " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمنا سنن الهدى ، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه " وفي بعض رواياته " ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم " ، فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه ، وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به .

فأما أهل الظاهر فإنهم قالوا : إن المفاضلة لا يمتنع أن تقع في الواجبات أنفسها ، أي إن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة لمكان العذر بتلك الدرجات المذكورة .

قالوا : وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين ، واحتجوا لذلك بقوله - عليه الصلاة والسلام - : " صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم " وأما أولئك فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الأعمى على نداء يوم الجمعة ، إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الإتيان إليه باتفاق وهذا فيه بعد والله أعلم ; لأن نص الحديث هو أن أبا هريرة قال : " أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى ، فقال : يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد ، فسأل رسول الله أن يرخص له ، فيصلي في بيته ، فرخص له ، فلما ولى دعاه فقال : هل تسمع النداء بالصلاة . قال : نعم ، قال : فأجب " وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة ، مع أن الإتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر وإن لم يسمع النداء ، ولا أعرف في ذلك خلافا . وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يؤم وهو أعمى ، وأنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إنه تكون الظلمة والمطر ، والسيل ، وأنا رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا أتخذه مصلى ، فجاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أين تحب أن أصلي فأشار له إلى مكان من البيت ، فصلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث