الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد

باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد

976 حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال قلنا أو قالوا يا رسول الله أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك فأما السلام فقد عرفناه فكيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة بهذا الحديث قال صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن بشر عن مسعر عن الحكم بإسناده بهذا قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد قال أبو داود رواه الزبير بن عدي عن ابن أبي ليلى كما رواه مسعر إلا أنه قال كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وساق مثله [ ص: 196 ]

التالي السابق


[ ص: 196 ] 181 باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد

الصلاة الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله تعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو من العباد طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة من الله تعالى عليه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد أمر الله المؤمنين به ، وقد أجمعوا على أنه للوجوب فهي واجبة في الجملة ، فقيل يجب كلما جرى ذكره ، وقيل الواجب الذي به يسقط المأثم هو الإتيان بها مرة كالشهادة بنبوته - صلى الله عليه وسلم - وما عدا ذلك فهو مندوب ، كذا في اللمعات . وقال في المرقاة اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما هل هو للندب أو للوجوب ، ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية ، ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا ، وإذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا ، فذهب الشافعي إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض ، والجمهور على أنها سنة ، والمعتمد عندنا الوجوب والتداخل انتهى والكلام في هذه المسألة طويل وقد أجاد وأحسن وأطال الشيخ العلامة الخفاجي في نسيم الرياض شرح شفاء القاضي عياض والإمام ابن القيم في جلاء الأفهام .

( عن كعب بن عجرة ) بضم العين وسكون الجيم ( فقد عرفناه ) يعني بما تقدم في أحاديث التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، وهو يدل على تأخير مشروعية الصلاة عن التشهد ( فكيف نصلي عليك ) فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم ( قولوا اللهم ) إلخ : استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - بعد التشهد وإلى ذلك ذهب عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وجابر بن زيد والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبو جعفر الباقر والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن المواز واختاره القاضي أبو بكر بن العربي ، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب منهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وآخرون . قال الطبري والطحاوي : إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب . قال الشوكاني : ودعوى الإجماع من الدعاوى الباطلة لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من [ ص: 197 ] الصحابة والتابعين والفقهاء ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد بما في حديث الباب من الأمر بها وبما في سائر أحاديث الباب ، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وهو يقتضي الوجوب في الجملة فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديث أبي مسعود بزيادة " كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا " وفي رواية " كيف نصلي عليك في صلاتنا " وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع ، وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير . ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية وهي لا تفيد الوجوب ، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه ، أسرا أم جهرا ، فقال له : أعطنيه سرا كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية ، لا أمرا بالإعطاء ، وتبادر هذا المعنى لغة وشرعا وعرفا لا يدفع ، وقد تكرر في السنة وكثر فمنه إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين الحديث .

وأطال الكلام في نيل الأوطار ( وآل محمد ) بحذف على ، وسائر الروايات في هذا الحديث وغيره بإثباتها ، وقد ذهب البعض إلى وجوب زيادتها كذا في نيل الأوطار . وفي المرقاة قيل الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم وبني المطلب ، وقيل كل تقي آله . ذكره الطيبي . وقيل المراد بالآل جميع أمة الإجابة وقيل المراد بالآل الأزواج ومن حرمت عليه الصدقة ويدخل فيهم الذرية وبذلك يجمع بين الأحاديث . وقال ابن حجر المكي : هم مؤمنو بني هاشم والمطلب عند الشافعي وجمهور العلماء ، وقيل أولاد فاطمة ونسلهم ، وقيل أزواجه وذريته لأنهم ذكروا جملة في رواية ورد بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد ، وقيل كل مسلم ، ومال إليه مالك واختاره الزهري وآخرون ، وهو قول سفيان الثوري وغيره ، ورجحه النووي في شرح مسلم ، وقيده القاضي حسين بالأتقياء ، ويؤيده ما روى تمام في فوائده والديلمي عن أنس قال : " سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من آل محمد ؟ فقال كل تقي من آل محمد " زاد الديلمي : ثم قرأ إن أولياؤه إلا المتقون .

[ ص: 198 ] ( كما صليت على إبراهيم ) ذكر في وجه تخصيصه من بين الأنبياء وجوه أظهرها كونه جد النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أمرنا بمتابعته في أصول الدين أو في التوحيد المطلق والانقياد المحقق انتهى كذا في المرقاة . وقال في نيل الأوطار : واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة على إبراهيم كما وقع في هذه الرواية أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية ، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب ، وهو - صلى الله عليه وسلم - أفضل من إبراهيم وآله ، وأجيب عن ذلك بأجوبة منها أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله ، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء ، فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية ، ومنها أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر ، ومنها أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خلاف الظاهر ، ومنها أنه كان ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم ، ومنها أن مراده - صلى الله عليه وسلم - أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله ، ومنها أن مراده - صلى الله عليه وسلم - أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم ، ومنها أنه سأل أن يتخذه الله خليلا كإبراهيم ( وبارك على محمد ) البركة هي الثبوت والدوام من قولهم : برك البعير إذا ثبت ودام ، أي أدم شرفه وكرامته وتعظيمه ( إنك حميد مجيد ) . أي محمود الأفعال مستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من المبالغة وهو تعليل لطلب الصلاة منه ، والمجيد المتصف بالمجد وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة قال المنذري : وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .

( بإسناده بهذا ) أي الحديث ( وعلى آل محمد ) أصل آل أهل فأبدلت الهاء همزة ثم الهمزة ألفا يدل عليه تصغيره على أهيل ويختص بالأشهر الأشرف كقولهم القراء آل محمد ولا يقال آل الخياط والإسكاف . اختلفوا في الآل من هم قيل من حرمت عليه [ ص: 199 ] الزكاة كبني هاشم وبني المطلب والفاطمة والحسن والحسين وعلي وأخويه جعفر وعقيل وأعمامه صلى الله عليه وسلم العباس والحارث وحمزة وأولادهم ، وقيل كل تقي آله - صلى الله عليه وسلم - ذكره الطيبي وتقدم آنفا بيانه ( كما صليت على آل إبراهيم ) هم إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ولم يجمعا لغيرهم ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - إعطاء ما تضمنته الآية قال ابن تيمية في المنتقى تحت حديث كعب بن عجرة : هذا الحديث رواه الجماعة أي بلفظ كما صليت على آل إبراهيم وكما باركت على آل إبراهيم إلا أن الترمذي قال فيه على إبراهيم في الموضعين لم يذكر آله . انتهى .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث