الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل :

[ ربا الفضل ]

وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع ، كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : { لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ; فإني أخاف عليكم الرما } والرما هو الربا ، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة ، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين - إما في الجودة ، وإما في السكة ، وإما في الثقل والخفة ، وغير ذلك - تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر ، وهو عين ربا النسيئة ، وهذه ذريعة قريبة جدا ; فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدا ونسيئة ; فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول ، وهي تسد عليهم باب المفسدة .

[ الأجناس التي يحرم فيها ربا الفضل وآراء العلماء في ذلك ]

فإذا تبين هذا فنقول : الشارع نص على تحريم ربا الفضل في ستة أعيان ، وهي الذهب ، والفضة ، والبر ، والشعير ، والتمر ، والملح ، فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس ، وتنازعوا فيما عداها ; فطائفة قصرت التحريم عليها ، وأقدم من يروى هذا عنه قتادة ، وهو مذهب أهل الظاهر ، واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس ، قال : لأن علل القياسيين في مسألة الربا علل ضعيفة ، وإذا لم تظهر في علة امتنع القياس .

وطائفة حرمته في كل مكيل وموزون بجنسه ، وهذا مذهب عمار وأحمد في ظاهر مذهبه وأبي حنيفة ، وطائفة خصته بالطعام وإن لم يكن مكيلا ولا موزونا ، وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد ، وطائفة خصته بالطعام إذا كان مكيلا أو موزونا ، وهو قول سعيد بن المسيب [ ص: 105 ] ورواية عن أحمد وقول للشافعي ، وطائفة خصته بالقوت وما يصلحه ، وهو قول مالك ، وهو أرجح هذه الأقوال كما ستراه .

وأما الدراهم والدنانير ، فقالت طائفة : العلة فيهما كونهما موزونين ، وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه ومذهب أبي حنيفة ، وطائفة قالت : العلة فيهما الثمنية ، وهذا قول الشافعي ومالك وأحمد في الرواية الأخرى ، وهذا هو الصحيح بل الصواب ، فإنهم أجمعوا على جواز إسلامهما في الموزونات من النحاس والحديد وغيرهما ; فلو كان النحاس والحديد ربويين لم يجز بيعهما إلى أجل بدراهم نقدا ; فإن ما يجري فيه الرد إذا اختلف جنسه جاز التفاضل فيه دون النساء ، والعلة إذا انتقضت من غير فرق مؤثر دل على بطلانها .

وأيضا فالتعليل بالوزن ليس فيه مناسبة ، فهو طرد محض ، بخلاف التعليل بالثمنية ، فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات ، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال ، فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض ; إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات ، بل الجميع سلع ، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة ، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة ، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء ، ويستمر على حالة واحدة ، ولا يقوم هو بغيره ; إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض ، فتفسد معاملات الناس ، ويقع الخلف ، ويشتد الضرر ، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم ، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس ، فلو أبيح ربا الفضل في الدراهم والدنانير - مثل أن يعطي صحاحا ويأخذ مكسرة أو خفافا ويأخذ ثقالا أكثر منها - لصارت متجرا ، أو جر ذلك إلى ربا النسيئة فيها ولا بد ; فالأثمان لا تقصد لأعيانها ، بل يقصد التوصل بها إلى السلع ، فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس ، وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث