الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها

جزء التالي صفحة
السابق

2412 (57) باب

تحريم مكة وصيدها وشجرها ولقطتها

[ 1212 ] عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح فتح مكة: " لا هجرة ، ولكن جهاد ونية ، وإذا استنفرتم فانفروا" . وقال يوم الفتح فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، .........وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ...........ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يعضد شوكه، ........... ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها". فقال العباس: يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم ! فقال: "إلا الإذخر" .

رواه أحمد ( 1 \ 226 ) والبخاري ( 1834)، ومسلم ( 1353)، وأبو داود (2480)، والترمذي (1590)، والنسائي ( 7 \ 146).

[ ص: 468 ]

التالي السابق


[ ص: 468 ] (57) ومن باب: تحريم مكة

قوله " لا هجرة بعد الفتح " ، هذا رفع لما كان تقرر من وجوب الهجرة إلى المدينة على أهل مكة باتفاق وعلى غيرهم بخلاف ، ولم يتعرض هذا العموم لنفي هجرة الرجل بدينه ; إذ تلك الهجرة ثابتة إلى يوم القيامة ، وإنما رفع حكم الهجرة يوم الفتح لكثرة ناصري الإسلام ولظهور الدين وأمن الفتنة عليه .

وقوله " ولكن جهاد ونية " دليل على بقاء فرض الجهاد وتأبيده خلافا لمن أنكر فرضيته على ما يأتي .

وقوله " وإذا استنفرتم فانفروا " ; أي : طلب منكم الإمام النفير. وهو : الخروج إلى الغزو ، فحينئذ يتعين الغزو على من استنفر بلا خلاف.

وقوله " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة " ، معنى " حرمه الله " أي حرم على غير المحرم دخوله إلا أن يحرم . ويجري هذا مجرى قوله : حرمت عليكم أمهاتكم [النساء: 23] ; أي : وطؤهن . و حرمت عليكم الميتة [المائدة: 3] ; أي : أكلها . فعرف الاستعمال دل على تعيين المحذوف . وقد دل على صحة هذا المعنى [ ص: 469 ] اعتذاره - صلى الله عليه وسلم - عن دخول مكة غير محرم مقاتلا بقوله " إنها لم تحل لي إلا ساعة من نهار . . . " الحديث ، وبهذا أخذ مالك والشافعي - في أحد قوليهما - وكثير من أصحابهما ، فقالوا : لا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلا محرما ، إلا أن يكون ممن يكثر التكرار إليها كالحطابين ونحوهم . وقد أجاز دخولها لغير المحرم ابن شهاب والحسن والقاسم ، وروي عن مالك والشافعي والليث ، وقال بذلك أبو حنيفة إلا لمن منزله وراء المواقيت ، فلا يدخلها إلا بإحرام ، واتفق الكل على أن من أراد الحج أو العمرة أنه لا يدخلها إلا محرما .

ثم اختلف أهل القول الأول فيمن دخلها غير محرم ; فقال مالك وأبو ثور والشافعي : أنه لا دم عليه ، وقال الثوري وعطاء والحسن بن حيي : يلزمه حج أو عمرة - ونحوه قال أبو حنيفة فيمن منزله وراء المواقيت .

ومتمسك من قال بجواز دخولها لغير المحرم قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث المواقيت المتقدم : " هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج أو العمرة) ، وتأولوا الحديث المتقدم بأن قالوا : إنما اعتذر - صلى الله عليه وسلم - عن دخوله مكة مقاتلا كما قال : (فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . .) الحديث .

قال القاضي عياض : لم يختلف في دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أنه كان حلالا ; لدخوله والمغفر على رأسه ، ولأنه دخلها محاربا حاملا للسلاح هو وأصحابه . ولم يختلفوا في تخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك ، وكذلك لم يختلفوا في أن من دخلها لحرب أو لشيء أنه لا يحل له أن يدخلها حلالا .

وقوله " وإنه لم يحل القتال لأحد قبلي " ، الضمير في " أنه " هو ضمير الأمر والشأن ، وظاهر هذا أن حكم الله تعالى كان في مكة ألا يقاتل أهلها ويؤمن من [ ص: 470 ] استجار بها ولا يتعرض له ، وهو أحد أقوال المفسرين في قوله تعالى : ومن دخله كان آمنا [آل عمران: 97] وهو قول قتادة وغيره . قالوا : هو آمن من الغارات . وهو ظاهر قوله تعالى : أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] وهو منقول من عادة العرب في احترامهم مكة ، ومن كتب التواريخ .

وقوله " ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام " ، الضمير في " يحل " هو ، وهو يعود على القتال قطعا كما يدل عليه مساقه ، فيلزم منه تحريم القتال فيه مطلقا ، سواء كان ساكنه مستحقا للقتال أو لم يكن ، وهو الذي يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " ولا يحل لأحد بعدي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار " .

وقوله " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فقولوا : إن الله أذن لرسوله ، ولم يأذن لكم " ، وهذا نص على الخصوصية واعتذار منه عما أبيح له من ذلك ، مع أن أهل مكة كانوا إذ ذاك مستحقين للقتل والقتال لصدهم عنه وإخراجهم أهله منه وكفرهم بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، وهذا هو الذي فهمه أبو شريح من هذا الحديث . وقد قال بذلك غير واحد من أهل العلم ; منهم . . . ، غير أن هذا يعارضه ما جاء في حديث أبي شريح من قول عمرو بن سعيد على ما يأتي .

وقوله " لا يعضد شوكه " ، وفي حديث أبي هريرة " لا يختبط شوكه ، ولا يعضد شجره " ، يعضد : يقطع . والمعضد : الآلة التي يقطع بها . والخبط : ضرب أوراق الشجر بالعصي لعلف المواشي . يقال : خبط واختبط . والمصدر منه : [ ص: 471 ] خبطا - بسكون الباء ، والاسم بتحريكها .

و (الخلى) مقصور ، هو الرطب من الكلأ مقصورا مهموزا . والحشيش : هو اليابس منه ، والكلأ يقال على الخلى والحشيش . والشجر : ما كان على ساق . وفي بعض طرقه " شجراؤها " وهو جنس الشجر ، وهي العضاه أيضا في الحديث الآخر. والعضاه من شجر البادية : كل شجر له شوك . ومنه ما يسمى بـ (الكنهبل) و (السيال) ، ولهذا الحديث خص الفقهاء مطلق الشجر المنهي عن قطعه مما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي اتفاقا منهم ، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي فيجوز قطعه .

ثم اختلفوا في جزاء ما قطع من النوع الأول ; فقال مالك : لا جزاء فيه لعدم ما يدل على ذلك . وقال الشافعي وأبو حنيفة : فيه الجزاء - فعند أبي حنيفة تؤخذ قيمة ما قطع فيشترى بها هدي ، وعند الشافعي في الدوحة - وهي الشجرة العظيمة - بقرة وفيما دونها شاة. وأما قطع العشب للرعي فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن ، وأجازه غيرهما .

وقوله " ولا ينفر صيده " ; أي : لا يهاج عن حاله ولا يعرض له. قال عكرمة : هو أن ينحيه من الظل إلى الشمس - وقد تقدم القول فيه .

وقوله " ولا يلتقط لقطته إلا منشد " ، اتفق رواة المحدثين على ضم اللام وفتح القاف من اللقطة، هنا أرادوا به الشيء الملتقط ، وليس كذلك عند أهل اللسان ، قال الخليل : اللقطة بفتح القاف اسم للذي يلتقط ، وبسكونها لما يلتقط . قال الأزهري : هذا قياس اللغة ; لأن (فعلة) في كلامهم جاء فاعلا كالهزأة للذي يهزأ بالناس ، وجاء مفعولا كالهزأة للذي يهزأ به الناس ، إلا أن الرواة أجمعوا على أن اللقطة الشيء الملتقط . و (المنشد) : هو المعرف . و (الناشد) : هو الطالب والباغي ، كما قال :


أنشدوا الباغي يحب الوجدان

[ ص: 472 ] وقال الآخر :


إصاخة الناشد للمنشد

يقال : نشدت الضالة طلبتها ، وأنشدتها عرفتها . وأصل الإنشاد الصوت ، ومنه إنشاد الشعر . وقد أفاد ظاهر هذا الحديث وما في معناه أن للقطة مكة مزية على لقطة غيرها ، لكن اختلف العلماء في أي شيء تلك المزية ؟ فقالت طائفة : هي أنها لا تحل للملتقط بوجه من الوجوه ، ولا يزال يعرفها دائما . وممن ذهب إلى هذا : أبو عبيد ، والشافعي ، وابن مهدي ، والداودي ، والباجي ، وابن العربي من أصحابنا ، ويعتضدون بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لقطة الحاج . وقالت طائفة أخرى : إن المزية هي أنها لا يحل التقاطها إلا إن سمع من ينشدها ، فيأخذها ويرفعها له . وذهب مالك في المشهور عنه إلى أن المزية أنها هي في زيادة التعريف والمبالغة فيها ، وحكمها وحكم غيرها من البلاد سواء ، وسيأتي بيان أحكامها ، والقول الأول أظهر من الأحاديث المذكورة في هذا الباب.

وقد فسر بعضهم المنشد بالطالب ، يعني به ربها ; أي لا تحل إلا له .

ويرجع هذا إلى القول الأول ، وقد تقدم أن المنشد هو المعرف على ما قال أبو عبيد وغيره .

و (الإذخر) : هو نبت له رائحة طيبة معروفة . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في جواب [ ص: 473 ] العباس وقد سأله عن الإذخر " إلا الإذخر " دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فوضت إليه أحكام فكان يحكم فيها باجتهاده ، واستيفاء المسألة في الأصول . وقد يورد على هذا أن يقال : إذا كانت مكة مما حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فكيف لأحد أن يحكم بحلية شيء منها وقد حرمه الله ؟ والجواب أن الذي حرمه الله هو ما عدا المستثنى جملة ; لأنه لما جعل لنبيه التخصيص مع علمه بأنه يخصص كذا ، فالمحكوم به لله تعالى هو ما عدا ذلك المخصص ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث