الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في قوله تعالى رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

جزء التالي صفحة
السابق

3523 (47) باب

في قوله تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

[ 1369 ] عن ثابت قال: قال أنس: عمي سميت به لم يشهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدرا، قال: فشق عليه. قال: أول مشهد شهده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غيبت عنه، فإن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فليرين الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، قال: فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو، أين؟ فقال: واها لريح الجنة، أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قال: فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية [الأحزاب: 23] ........ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه .

رواه مسلم (1903)، والترمذي (3198) (3199).

[ ص: 738 ]

التالي السابق


[ ص: 738 ] (47) ومن باب: قوله تعالى :

رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه

قول أنس : ( عمي سميت به ) ; أي : سميت باسمه ، فإن عمه أنس بن النضر .

وقوله : ( إن أشهدني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليرين الله ما أصنع ) ; هذا الكلام تضمن أنه ألزم نفسه إلزاما مؤكدا ، وهو : الإبلاء في الجهاد ، والانتهاض فيه ، والإبلاغ في بذل ما يقدر عليه منه ، ولم يصرح بذلك مخافة ما يتوقع من التقصير في ذلك ، وتبرؤا من حوله وقوته ; ولذلك قال : ( فهاب أن يقول غيرها ) ، ومع ذلك فنوى بقلبه ، وصمم على ذلك ، فصح قصده ، ولذلك سماه الله عهدا في الآية حيث قال : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [الأحزاب: 23] فسماه عهدا.

[ ص: 739 ] وقوله : ( واها لريح الجنة ) ; أي : عجبا منه ، فهي هنا تعجب ، وقد تأتي للترحم ، والتلهف ، والاستهانة .

وقوله : ( أجده دون أحد ) ; ظاهره الحمل على : أنه وجده حقيقة ، كما جاء في الحديث الآخر : (إن ريح الجنة توجد على مسيرة خمسمائة عام) ، ويحتمل أن يكون قاله على معنى التمثيل ; أي : إن القتل دون أحد موجب لدخول الجنة ، ولإدراك ريحها ونعيمها .

وقوله : ( فقاتلهم حتى قتل ) ; ظاهره : أنه قاتلهم وحده . فيكون فيه دليل على جواز الاستقتال ، بل على ندبيته ; كما تقدم .

وقولها : ( فما عرفته إلا ببنانه ) ; أي : بأصابعه . ومنه قوله تعالى : على أن نسوي بنانه [القيامة: 4].

وقوله : فمنهم من قضى نحبه [الأحزاب: 23] ; أي : وفى بنذره . يقال : نحب ، ينحب إذا نذر ، ومنه قول الشاعر :


إذا نحبت كلب على الناس إنهم أحق بتاج الماجد المتكرم

وقيل : قضى أجله على ما عاهد عليه . قال ذو الرمة :


عشية فر الحارثيون بعدما     قضى نحبه في ملتقى الجيش هوبر

[ ص: 740 ] وقوله : ومنهم من ينتظر ; أي : الوفاء بما نذر الموت على ما عاهدوا.

وقوله : وما بدلوا تبديلا ; أي : استمروا على ما التزموا ، ولم يقع منهم نقض لما أبرموا .

وقوله: ( قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه ) ; هذا القائل هو : ثابت . والله تعالى أعلم ; ويعني به : أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يظنون : أنها نزلت فيمن ذكر . وقد قيل : نزلت في السبعين الذين بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم ، وأبناءهم ، فوفوا بذلك ; قاله الكلبي . وقد قيل غير ذلك.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث