الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل وطء المعتدة بشبهة أو غيرها

جزء التالي صفحة
السابق

فصل إذا وطئت المعتدة بشبهة ، أو غيرها أتمت عدة الأول ثم استأنفت العدة من الوطء ، وإن كانت بائنا فأصابها المطلق عمدا فكذلك . وإن أصابها بشبهة استأنفت العدة للوطء ودخلت فيها بقية الأولى ، وإن تزوجت في عدتها ولم تنقطع عدتها حتى يدخل بها فتنقطع حينئذ ، ثم إذا فارقها بنت على عدة الأول واستأنفت العدة من الثاني ، وإن أتت بولد من أحدهما وانقضت عدتها به منه ، ثم اعتدت للآخر أيهما كان ، وإن أمكن أن يكون منهما أري القافة معهما فألحق بمن ألحقوه به منهما وانقضت به عدتها منه واعتدت للآخر ، وإن ألحقته بهما ألحق بهما ، وانقضت عدتها به منهما وللثاني أن ينكحها بعد انقضاء العدتين . وعنه : أنها تحرم عليه على التأبيد ، وإن وطئ رجلان امرأة فعليها عدتان لهما .

التالي السابق


فصل

( إذا وطئت المعتدة بشبهة ، أو غيرها ) كنكاح فاسد ( أتمت عدة الأول ) لأن سببها سابق على الوطء المذكور ، ولا يحسب منها مقامها عند الثاني في الأصح وله رجعة الرجعية في التتمة في الأصح ( ثم استأنفت العدة من الوطء ) لأن العدتين من رجلين لا يتداخلان كالديتين ( وإن كانت بائنا فأصابها المطلق عمدا فكذلك ) لأنه وطء محرم ، ولا يلحق فيه النسب ، ولأن عدة الأولى عدة طلاق ، والثانية عدة زنا ، فلم تدخل إحداهما في الأخرى لاختلاف سببهما [ ص: 135 ] إذ اختلاف السبب لا يوجب التداخل ، وإن اتحد الحكم دليله الكفارات ( وإن أصابها بشبهة استأنفت العدة للوطء ) لأن الوطء قطع العدة الأولى ، وهو موجب للاعتداد ، والاحتياج إلى العلم ببراءة الرحم من الحمل ( ودخلت فيها بقية الأولى ) لأن الوطء بشبهة يلحق به النسب ، فدخلت فيه بقية الأولى في العدة الثانية ( وإن تزوجت في عدتها ) لم يجز نكاحها إجماعا وسنده قوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [ البقرة : 235 ] ولأن العدة إنما اعتبرت لمعرفة براءة الرحم لئلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ( ولم تنقطع عدتها ) لأنه باطل ، لا تصير به المرأة فراشا ، ولا تستحق عليه نفقة ، ولا سكنى ; لأنها ناشز ( حتى يدخل بها فتنقطع حينئذ ) سواء علم التحريم ، أو جهله ; لأنها تصير بالدخول فراشا لغيره بذلك ، وهو يقتضي ألا تبقى في عدة غيره ( ثم إذا فارقها بنت على عدة الأول ) لأن حقه أسبق ، ولأن عدته وجبت عن وطء في نكاح صحيح ( واستأنفت العدة من الثاني ) ولا تتداخل العدتان . رواه مالك ، والشافعي ، والبيهقي بإسناد جيد ، عن عمر ، وعلي ، ولا نعرف لهما مخالفا في الصحابة ، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين كالديتين ، ولأنه حبس يستحقه الرجال على النساء ، فلم يجز أن تكون المرأة في حبس رجلين كالزوجة ( وإن أتت بولد من أحدهما ) عينا ، أو ألحقته به قافة وأمكن أن تأتي به لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني ، نقله الجماعة ولأربع سنين فأقل من بينونة الأول - لحقه ( وانقضت عدتها به منه ) لأن عدة الشخص تنقضي بوضع حمله ، وقد وجد ( ثم اعتدت للآخر أيهما كان ) [ ص: 136 ] لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان ، والعدة من غيره ( وإن أمكن أن يكون منهما ) بما ذكرنا ( أري القافة معهما ) لأن القافة تلحقه بأشبههما ويصير ذلك بمنزلة ما لو علم ذلك بطريقه ( فألحق بمن ألحقوه به منهما ) لأن قولها في ذلك حجة ( وانقضت به عدتها منه ) لأن الولد له حكما ، أشبه ما لو علم ذلك يقينا ( واعتدت للآخر ) لما ذكرنا ( وإن ألحقته بهما ألحق بهما ، وانقضت عدتها به منهما ) لأن الولد محكوم به لهما فتكون قد وضعت حملها منهما ، وفي " الانتصار " احتمال تستأنف عدة الآخر كموطوءة لاثنين وعند أبي بكر إن أتت به لستة أشهر من نكاح الثاني ، فهو له . ذكره القاضي ، وابن عقيل ، ونقل ابن منصور مثله ، وزاد : فإن ادعياه فالقاقة ولها المهر بما أصابها ويؤدبان ، ولم يتكلم المؤلف على ما إذا نفته القافة عنهما ، أو أشكل عليهم ، أو لم توجد قافة ، والحكم فيه أنها تعتد بعد وضعه بثلاثة قروء ; لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني ، وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول ، لتسقط الفرض بيقين ، وعلم مما سبق أنها إذا ولدت لدون ستة أشهر من وطء الثاني ، ولأكثر من أربع سنين من فراق الأول لم يلحق بواحد منها ، ولا تنقضي عدتها به منه ; لأنا نعلم أنه من وطء آخر ( وللثاني أن ينكحها بعد انقضاء العدتين ) وهو قول علي وروي عن عمر أنه رجع إليه ، رواه البيهقي بإسناد جيد وكما لو زنى بها وآيات الإباحة عامة ، وقال الشافعي : له نكاحها بعد قضاء عدة الأول ; لأن العدة إنما شرعت لحفظ النسب وصيانة للماء ، والنسب لاحق به ، أشبه ما لو خالعها ، ثم نكحها في عدتها ، قال في " المغني " : وهذا [ ص: 137 ] قول حسن موافق للنص ، ووجه تحريمها قبل انقضاء العدتين قوله تعالى : ولا تعزموا عقدة النكاح الآية ، ولأنه وطء يفسد به النسب ، فلم يجز النكاح في العدة كوطء الأجنبي ، وأما الأول فإن كان طلقها ثلاثا لم تحل له بهذا النكاح ، وإن وطئ فيه ; لأنه باطل ، وإن كان دون الثلاث فله رجعتها بعد العدتين ، وإن كانت رجعية فله رجعتها في عدتها منه ( وعنه : أنها تحرم عليه على التأبيد ) لقول عمر : لا تنكحها أبدا . رواه مالك ، والشافعي ، والبيهقي بإسناد جيد . وأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالوارث إذا قتل مورثه وكاللعان ، وقيل : في النكاح الفاسد . وحكاه في " المحرر " ، و " الرعاية " رواية .

فرع : كل معتدة من غير النكاح الصحيح كالزانية ، والموطوءة بشبهة فقياس المذهب تحريم نكاحها على الواطئ وغيره ، قال في " المغني " : والأولى حل نكاحها لمن هي معتدة منه إن كان يلحقه نسب ولدها ; لأن العدة لحفظ مائه وصيانة نسبه ، ولا يصان ماؤه المحترم ، عن مائه المحرم ، ولا يحفظ نسبه عنه ( وإن وطئ رجلان امرأة ) بشبهة ، أو زنا ( فعليها عدتان لهما ) لقول عمر ، وعلي ، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين ، فلم يتداخلا كالديتين ، واختار ابن حمدان إذا زنى بها تكفيه عدة ، سواء قلنا : هي حيضة ، أو أكثر .

فرع : إذا خالع امرأته ، أو فسخ نكاحه فله أن يتزوجها في عدتها في قول الأكثر ، وشذ بعض المتأخرين ، فقال : لا يحل نكاحها ، ولا خطبتها .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث