الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 287 ] ( والطلاق يقع بعدد قرن به لا به ) نفسه عن ذكر العدد ، وعند عدمه الوقوع بالصيغة .

( فلو ماتت ) يعم الموطوءة وغيرها ( بعد الإيقاع قبل ) تمام ( العدد لغا ) لما تقرر .

( ولو مات ) الزوج أو أخذ أحد فمه قبل ذكر العدد ( وقع واحدة ) [ ص: 288 ] عملا بالصيغة لأن الوقوع بلفظه لا بقصده .

( ولو قال ) لغير الموطوءة ( أنت طالق واحدة وواحدة ) بالعطف ( أو قبل واحدة أو بعدها واحدة يقع واحدة ) بائنة ، ولا تلحقها الثانية لعدم العدة .

( وفي ) أنت طالق واحدة ( بعد واحدة أو قبلها واحدة أو مع واحدة أو معها واحد ثنتان ) ، الأصل أنه متى أوقع بالأول لغا الثاني ، أو بالثاني اقترنا ، لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال .

( و ) يقع ( بأنت طالق واحدة وواحدة إن دخلت الدار ثنتان لو دخلت ) لتعلقهما بالشرط دفعة . [ ص: 289 ]

( و ) تقع ( واحدة إن قدم الشرط ) لأن المعلق كالمنجز

( و ) يقع ( في الموطوءة ثنتان ) في كلها لوجود العدة ; ومن مسائل قبل وبعد ما قيل : ما يقول الفقيه أيده الله ولا زال عنده الإحسان     في فتى علق الطلاق بشهر
قبل ما بعد قبله رمضان وينشد على ثمانية أوجه ، فيقع بمحض قبل في ذي الحجة ، وبمحض بعد في جمادى الآخرة وبقبل أولا أو وسطا أو آخرا في شوال ، ويبعد كذلك في شعبان لإلغاء الطرفين فيبقى قبله أو بعده رمضان .

التالي السابق


مطلب الطلاق : يقع بعدد قرن به لا به

( قوله والطلاق يقع بعدد قرن به لا به ) أي متى قرن الطلاق بالعدد كان الوقوع بالعدد بدليل ما أجمعوا عليه من أنه لو قال لغير المدخول بها أنت طالق ثلاثا طلقت ثلاثا ، ولو كان الوقوع بطالق لبانت لا إلى عدة فلغا العدد ، ومن أنه لو قال أنت طالق واحدة إن شاء الله لم يقع شيء ولو كان الوقوع بطالق لكان العدد فاصلا فوقع

ثم اعلم أن الوقوع أيضا بالمصدر عند ذكره ، وكذا بالصفة عند ذكرها كما إذا قال أنت طالق ألبتة ، حتى لو قال بعدها إن شاء الله متصلا لا يقع ، ولو كان الوقوع باسم الفاعل لوقع ، ويدل عليه ما في المحيط : لو قال أنت طالق للسنة أو أنت طالق بائن فماتت قبل قوله للسنة أو بائن لا يقع شيء لأنه صفة للإيقاع لا للتطليقة فيتوقف الإيقاع على ذكر الصفة وأنه لا يتصور بعد الموت ا هـ وكذا ما في عتق الخانية قال لعبده أنت حر ألبتة فمات العبد ( قبل ألبتة ) يموت عبدا بحر من الباب المار عند قوله أنت طالق واحدة أولا ، وقال هنا ويدخل في العدد أصله وهو الواحدة ولا بد من اتصاله بالإيقاع ، ولا يضر انقطاع النفس فلو قال : أنت طالق وسكت ثم قال ثلاثا فواحدة ، ولو انقطع النفس أو أخذ إنسان فمه ثم قال ثلاثا على الفور فثلاث ، ولو قال لغير المدخولة : أنت طالق يا فاطمة أو يا زينب ثلاثا وقعن ; ولو قال : أنت طالق اشهدوا ثلاثا فواحدة ، ولو قال : فاشهدوا فثلاث ، وكذا في الظهيرية ا هـ .

قلت : وحاصله أن انقطاع النفس وإمساك الفم لا يقطع الاتصال بين الطلاق وعدده ، وكذا النداء لأنه لتعيين المخاطبة ، وكذا عطف فاشهدوا بالفاء لأنها تعلق ما بعدها بما قبلها فصار الكل كلاما واحدا ( قوله عند ذكر العدد ) أي عند التصريح به ، فلا يكفي قصده كما يأتي فيما لو مات أو أخذ أحد فمه فافهم ( قوله بعد الإيقاع ) المراد به ذكر الصيغة الموضوعة للإيقاع لولا العدد ( قوله قبل تمام العدد ) قدر لفظ تمام تبعا للبحر احتراز عما لو قال أنت طالق أحد عشر فماتت قبل تمام العدد ( قوله لغا ) أي فلا يقع شيء نهر ، فيثبت المهر بتمامه ويرث الزوج منها ط ( قوله لما تقرر ) أي من أن الوقوع بالعدد وهي لم تكن محلا عند وقوع العدد ح أو لما تقرر من أن صدر الكلام يتوقف على آخره لوجود ما يغيره كالشرط والاستثناء ، حتى لو قال : أنت طالق إن دخلت الدار أو إن شاء الله فماتت قبل الشرط أو الاستثناء لم تطلق لأن وجودهما يخرج عن أن يكون إيقاعا ، بخلاف : أنت طالق ثلاثا يا عمرة فماتت قبل قوله يا عمرة طلقت لأنه غير مغير ، وكذا أنت طالق وأنت طالق فماتت قبل الثاني لأن كل كلام عامل في الوقوع إنما يعمل إذا صادفها وهي حية ; ولو قال : أنت طالق وأنت طالق إن دخلت الدار فماتت عند الأول أو الثاني لا يقع لما مر كما في البحر عن الذخيرة ( قوله أو أخذ أحد فمه ) أي ولم يذكر العدد على الفور

[ ص: 288 ] عند رفع اليد عن فمه ، أما لو قال ثلاثا مثلا على الفور وقعن كما مر ( قوله عملا بالصيغة ) أشار إلى وجه الفرق بين موتها وموته ، وهو أن الزوج وصل لفظ الطلاق بذكر العدد في موتها ولم يتصل في موته ذكر العدد بلفظ الطلاق ، فبقي قوله أنت طالق وهو عامل بنفسه في وقوع الطلاق كما أفاده في البحر عن المعراج ( قوله لأن الوقوع بلفظه لا بقصده ) الضمير أن للزوج أو للعدد ، وعلى الأول يكون التعليل لمنطوق العلة التي قبله .

وعلى الثاني لمفهومها وهو عدم العمل بالعدد الذي قصد فافهم ( قوله بالعطف ) أي بالواو فتقع واحدة لأن الواو لمطلق الجمع أعم من كونه للمعية أو للتقدم أو التأخر ، فلا يتوقف الأول على الآخر إلا لو كانت للمعية وهو منتف فيعمل كل لفظ بالأولى فلا يقع ما بعدها ، ومثل الواو العطف بالفاء وثم بالأولى لاقتضاء الفاء التعقيب وثم التراخي مع الترتيب فيهما ; وأما بل في أنت طالق واحدة لا بل ثنتين فكذلك لأنها باق بالأولى ، ولو كانت مدخولا بها تقع ثلاث لأنه أخبر أنه غلط في إيقاع الواحدة ورجع عنها إلى إيقاع الثنتين بدلها فصح إيقاعهما دون رجوعه .

نعم لو قال لها : طلقتك أمس واحدة لا بل ثنتين تقع ثنتان لأنه خبر يقبل التدارك في الغلط ، بخلاف الإنشاء بحر ملخصا ( قوله أو قبل واحدة إلخ ) الضابط أن الظرف حيث ذكر بين شيئين إن أضيف إلى ظاهر كان صفة للأول كجاءني زيد قبل عمرو ، وإن أضيف إلى ضمير الأول كان صفة للثاني كجاءني زيد قبله أو بعده عمرو لأنه حينئذ خبر عن الثاني والخبر وصف للمبتدأ ، والمراد بالصفة المعنوية والمحكوم عليه بالوصفية هو الظرف فقط ، وإلا فالجملة في قبله عمرو حال من زيد لوقوعها بعد معرفة والحال وصف لصاحبها ; ففي واحدة قبل واحدة أوقع الأولى قبل الثانية فبانت بها ، فلا تقع الثانية وفي بعدها ثانية كذلك لأنه وصف الثانية بالبعدية ، ولو لم يصفها بها لم تقع فهذا أولى .

وهذا في غير المدخول بها وفي المدخول بها تقع ثنتان لوجود العدة كما يأتي ( قوله ثنتان ) لأنه في واحدة بعد واحدة جعل البعدية صفة للأولى فاقتضى إيقاع الثانية قبلها لأن الإيقاع في الماضي إيقاع في الحال لامتناع الاستناد إلى الماضي فيقترنان فتقع ثنتان ، وكذا في واحدة قبلها واحدة لأنه جعل القبلية صفة للثانية فاقتضى إيقاعها قبل الأولى فيقترنان ، وأما ( مع ) فللقران فلا فرق فيها بين الإتيان بالضمير ، وإلا فاقتضى وقوعهما معا تحقيقا لمعناها ( قوله متى وقع بالأول ) كما في قبل واحدة وبعدها واحدة فإن الأولى فيهما هي الواقعة لوصفها بأنها قبل الثانية أو بأن الثانية بعدها ، وهو معنى كونها قبل الثانية فتكون الثانية متأخرة في الصورتين فلغت ( قوله أو بالثاني اقترنا ) المراد بالثاني المتأخر في إنشاء الإيقاع لا في اللفظ وذلك كما في بعد واحدة أو قبلها واحدة فإنه أوقع فيهما واحدة وهي الأولى الموصوفة بأنها بعد الثانية ، أو بأن الثانية قبلها ، وهو معنى كونها بعد الثانية فيقترنان ويحتمل أن يراد بالثاني اللفظ المتأخر فإنه سابق في الإيقاع من حيث الإخبار لتضمن الكلام الإخبار عن إيقاع الثانية قبل الأولى ( قوله ويقع إلخ ) من عطف الخاص على العام لدخوله تحت قوله وإن فرق فكان الأولى ذكره عقبه ( قوله ثنتان ) أي إن اقتصر عليهما ، وإن زاد فثلاث ( قوله لتعلقهما بالشرط دفعة ) لأن الشرط مغير للإيقاع ، فإذا اتصل المغير توقف صدر الكلام عليه فيتعلق به كل من الطلقتين [ ص: 289 ] معا فيقعان عند وجود الشرط كذلك ، بخلاف ما لو قدم الشرط فلا يتوقف لعدم المغير ( قوله وتقع واحدة إن قدم الشرط ) هذا عنده وعندهما ثنتان أيضا ورجحه الكمال وأقره في البحر ، وقوله لأن المعلق كالمنجز : أي يصير عند وجود شرطه كالمنجز ، ولو نجزه حقيقة لم تقع الثانية ، بخلاف ما إذا أخر الشرط لوجود المغير زيلعي .

[ تنبيه ] العطف بالفاء كالواو فتقع واحدة إن قدم الشرط اتفاقا على الأصح وتلغو الثانية ، وثنتان إن أخره وفي العطف بثم إن أخره تنجزت واحدة ولغا ما بعدها ولو موطوءة تعلق الأخير وتنجز ما قبله ، وإن قدم الشرط لغا الثالث وتنجز الثاني وتعلق الأول ، فيقع عند الشرط بعد التزوج الثاني ، ولو موطوءة تعلق الأول وتنجز ما بعده . وعندهما تعلق الكل بالشرط قدمه أو أخره إلا أن عند وجود الشرط تطلق الموطوءة ثلاثا وغيرها واحدة وتمامه في البحر ( قوله كلها ) أي كل الصور التي ذكرها في العطف بلا تعليق بشرط وفي قبل وبعد وفي الشرط المتقدم أو المتأخر .

مطلب في قبل ما بعد قبله رمضان

( قوله ومن مسائل قبل وبعد ما قيل ) أي ما قاله بعضهم نظما من بحر الخفيف . ورأيت في شرح المجموع للأشموني شارح الألفية أن هذا البيت رفع للعلامة أبي عمرو بن الحاجب بأرض الشام وأفتى فيه وأبدع وقال إنه من المعاني الدقيقة التي لا يعرفها أحد في مثل هذا الزمان وأنه ينشد على ثمانية أوجه لأن ما بعد " ما قد يكون قبلين أو بعدين أو مختلفين ، فهذه أربعة أوجه كل منهما قد يكون قبله قبل أو بعد صارت ثمانية " والقاعدة في الجميع أنه كلما اجتمع فيه منها قبل وبعد فألغهما لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما هو بعده ، ولا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان ، فيكون شعبان أو قبله رمضان فيكون شوالا إلخ ( قوله في ذي الحجة ) لأن قبله ذا القعدة ، وقبل هذا القبل شوال ، وقبل قبل القبل رمضان ط ( قوله في جمادى الآخر ) لأن بعده رجبا ; وبعد ذلك شعبان وبعد بعد البعد رمضان ط ( قوله في شوال ) صوابه في شعبان ح أي لأن فرض المسألة أن قبلا ذكره مرة واحدة وتكرر بعد فيلغى لفظ قبل ولفظ بعد مرة ويبقى لفظ بعد الثاني هو المعتبر ; فيصير كأنه قال بعده رمضان وهو شعبان كما مر ( قوله ويبعد كذلك ) أي ولا وسطا أو واسطا أو آخر ا ح ( قوله في شعبان ) صوابه في شوال ح أي لنظير ما قلنا ( قوله لإلغاء الطرفين ) المراد قبل وبعد ; كأنه إنما أطلق عليهما طرفين لما بينهما من التقابل . وعبارة الفتح : يلغى قبل ببعد ، وعبارة النهر : يلغى قبل وبعد لأن كل شهر بعد قبله وقبل بعده ; فيبقى قبله رمضان وهو شوال أو بعده رمضان وهو شعبان ح .

قلت : وأما ما في البحر من أن الملغى الطرفان الأولان يعني الحاليين عن الضمير سواء اختلفا أو اتفقا وفرع عليه للأخير المضاف للضمير فقط فهو خطأ مخالف لما قرره نفسه أولا ولما قرره غيره . [ ص: 290 ]

[ تنبيه ] هذا كله مبني على أن ما ملغاة لا محل لها من الإعراب ويحتمل أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة فتكون في محل جر بإضافة الظرف الذي قبلها إليها ; وفيه الأوجه الثمانية ; لكن أحكامها تختلف ففي محض قبل يقع في شوال ، وفي محض بعد في شعبان ، وفي قبل ثم بعدين في جمادى الآخر وفي بعد ثم قبلين في ذي الحجة وفي الصور الأربع الباقية على عكس ما مر في إلغاء ما : أي فما وقع منها في شوال أو في شعبان على تقدير الإلغاء يقع بعكسه على تقدير الموصولية أو الموصوفية كما ذكره العلامة بدر الدين الغزي الشافعي ، ورأيته بخطه معزيا إلى العلامة ابن الحاجب وقال إن للسبكي في ذلك مؤلفا .

قلت : وقد أوضحت هذه المسألة في رسالة كنت سميتها إتحاف الذكي النبيه بجواب ما يقول الفقيه وبينت فيها المقام بما لا مزيد عليه ، وخلاصة ذلك أن قول : بشهر قبل ما قبل قبله رمضان على كون ما زائدة يكون رمضان مبتدأ والظرف الأول خبر عنه وهو مضاف إلى الثاني لأن ما الزائدة لا تكف عن العمل نحو - { فبما رحمة } - وغير ما رجل والثاني مضاف إلى الثالث والجملة من المبتدإ والخبر صفة شهر ، والرابط الضمير المضاف إليه الظرف الأخير ; والمعنى بشهر رمضان كائن قبل قبل قبله وهو ذو الحجة ، وعلى كون ما موصولة يكون الظرف الأول صفة لشهر وهو مضاف إلى الموصول والظرف الثاني المضاف إلى الثالث خبر مقدم عن رمضان والجملة صلة ما والعائد الضمير الأخير ; والمعنى بشهر كائن قبل الشهر الذي رمضان كائن قبل قبله ، فالشهر الذي رمضان قبل قبله هو ذو الحجة ، فالذي قبله هو شوال ، وكذا يقال على تقدير ما نكرة موصوفة ، وعلى هذا القياس في باقي الصور ، وقد نظمت جميع ما مر من الصور فقلت :

خذ جوابا عقوده المرجان فيه عما طلبته تبيان     فجمادى الأخير في محض بعد
ولعكس ذو حجة إبان     ثم شوال لو تكرر قبل
مع بعد وعكسه شعبان     ألغ ضدا بضده وهو بعد
مع قبل وما بقي الميزان     ذاك إن تلغ ما وأما إذا ما
وصلت أو وصفتها فالبيان     جاء شوال في تمحض قبل
ولعكس شعبان جاء الزمان     وجمادى لقبل ما بعد بعد
فهو ثم ذو حجة لعكس أوان     وسوى ذا بعكس إلغائها افهم
فهو تحقيق من هم الفرسان

وتوضيح ذلك في رسالتنا المذكورة ، والحمد لله رب العالمين



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث