الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ركن الإقرار

جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الإقرار )

الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع : في بيان ركن الإقرار وفي بيان الشرائط التي يصير الركن بها إقرارا شرعا وفي بيان ما يصدق المقر فيما ألحق بإقراره من القرائن ما لا يكون رجوعا حقيقة وما لا يصدق فيه مما يكون رجوعا عنه وفي بيان ما يبطل به الإقرار بعد وجوده .

أما ركن الإقرار فنوعان : صريح ودلالة ، فالصريح نحو أن يقول : لفلان علي ألف درهم ; لأن كلمة علي كلمة إيجاب لغة وشرعا قال الله تبارك وتعالى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } وكذا إذا قال [ ص: 208 ] لرجل لي عليك ألف درهم فقال الرجل نعم ; لأن كلمة نعم خرجت جوابا لكلامه ، وجواب الكلام إعادة له لغة كأنه قال : لك علي ألف درهم وكذلك إذا قال : لفلان في ذمتي ألف درهم ; لأن ما في الذمة هو الدين فيكون إقرارا بالدين ولو قال : لفلان قبلي ألف درهم ، ذكر القدوري - رحمه الله - أنه إقرار بأمانة في يده وذكر الكرخي - رحمه الله - أنه يكون إقرارا بالدين وجه ما ذكره الكرخي أن القبالة هي الكفالة قال الله - سبحانه وتعالى عز من قائل { والملائكة قبيلا } أي كفيلا والكفالة هي الضمان قال الله تبارك وتعالى : { وكفلها زكريا } على قراءة التخفيف أي ضمن القيام بأمرها وجه ما ذكره القدوري - رحمه الله - أن القبالة تستعمل بمعنى الضمان وتستعمل بمعنى الأمانة فإن محمدا - رحمه الله - ذكر في الأصل أن من قال : لا حق لي على فلان يبرأ عن الدين ، ومن قال : لا حق لي عند فلان أو معه يبرأ عن الأمانة .

ولو قال : لا حق لي قبله يبرأ عن الدين والأمانة جميعا فكانت القبالة محتملة للضمان والأمانة ، والضمان لم يعرف وجوبه فلا يجب بالاحتمال ولو قال له : في دراهمي هذه ألف درهم يكون إقرارا بالشركة ولو قال له : في مالي ألف درهم ، ذكر في الأصل أن هذا إقرار له ولم يذكر أنه مضمون أو أمانة واختلف المشايخ فيه قال الجصاص - رحمه الله - إنه يكون إقرارا بالشركة له كما في الفصل الأول ; لأنه جعل ماله ظرفا للمقر به وهو الألف فيقتضي الخلط وهو معنى الشركة .

وقال بعضهم : إن كان ماله محصورا يكون إقرارا بالشركة ، وإن لم يكن محصورا يكون إقرارا بالدين فظاهر إطلاق الكتاب يدل على الإقرار بالدين كيفما كان ; لأن كلمة الظرف في مثل هذا تستعمل في الوجوب ; قال النبي - عليه الصلاة والسلام { في الرقة ربع العشر وفي خمس من الإبل السائمة شاة وفي الركاز الخمس } ولو قال : له في مالي ألف درهم لا يكون إقرارا بل يكون هبة لأنه ليس فيه ما يدل على الوجوب في الذمة ; لأن اللام المضاف إلى أهل الملك للتمليك ، والتمليك بغير عوض هبة وإذا كان هبة فلا يملكها إلا بالقبول والتسليم .

ولو قال : له في مالي ألف درهم لا حق له فيها فهو إقرار بالدين لأن الألف التي لا حق له فيها لا تكون دينا ، إذ لو كانت هبة لكان له فيها حق ولو قال : له عندي ألف درهم فهو وديعة ; لأن عندي لا تدل على الوجوب في الذمة بل هي كلمة حضرة وقرب ولا اختصاص لهذا المعنى بالوجوب في الذمة فلا يثبت الوجوب إلا بدليل زائد وكذلك لو قال : لفلان معي أو في منزلي أو في بيتي أو صندوقي ألف درهم فذلك كله وديعة ; لأن هذه الألفاظ لا تدل إلا على قيام اليد على المذكور ، وذا لا يقتضي الوجوب في الذمة لا محالة فلم يكن إقرارا بالدين فكانت وديعة ; لأنها في متعارف الناس تستعمل في الودائع فعند الإطلاق تصرف إليها ولو قال : له عندي ألف درهم عارية ، فهو قرض ; لأن عندي تستعمل في الأمانات وقد فسر بالعارية ، وعارية الدراهم والدنانير تكون قرضا إذ لا يمكن الانتفاع بها إلا باستهلاكها ، وإعارة ما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاكه يكون قرضا في المتعارف ، وكذلك هذا في كل ما يكال أو يوزن لتعذر الانتفاع بها بدون الاستهلاك ، فكان الإقرار بإعارتها إقرارا بالقرض ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث