الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) .

[ ص: 47 ] قوله تعالى : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) .

اعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن تلك الشبهة ، فقوله : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) أي من الذي ذكروه من نعم الدنيا كالكنز والجنة ، وفسر ذلك الخير بقوله : ( جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) ، نبه بذلك سبحانه على أنه قادر على أن يعطي الرسول كل ما ذكروه ، ولكنه تعالى يدبر عباده بحسب الصالح ، أو على وفق المشيئة ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فيفتح على واحد أبواب المعارف والعلوم ، ويسد عليه أبواب الدنيا ، وفي حق الآخر بالعكس ، وما ذاك إلا أنه فعال لما يريد ، وههنا مسائل :

المسألة الأولى : قال ابن عباس : خير من ذلك مما عيروك بفقده الجنة ؛ لأنهم عيروك بفقد الجنة الواحدة ، وهو سبحانه قادر على أن يعطيك جنات كثيرة ، وقال في رواية عكرمة : ( خيرا من ذلك ) أي من المشي في الأسواق وابتغاء المعاش .

المسألة الثانية : قوله : ( إن شاء ) معناه أنه سبحانه قادر على ذلك ، لا أنه تعالى شاك ؛ لأن الشك لا يجوز على الله تعالى ، وقال قوم : ( إن ) ههنا بمعنى إذا ، أي قد جعلنا لك في الآخرة جنات وبنينا لك قصورا ، وإنما أدخل إن تنبيها للعباد على أنه لا ينال ذلك إلا برحمته ، وأنه معلق على محض مشيئته ، وأنه ليس لأحد من العباد على الله حق ، لا في الدنيا ولا في الآخرة .

المسألة الثالثة : القصور جماعة قصر ، وهو المسكن الرفيع ، ويحتمل أن يكون لكل جنة قصر ، فيكون مسكنا ومتنزها ، ويجوز أن يكون القصور مجموعة والجنات مجموعة . وقال مجاهد : إن شاء جعل لك جنات في الآخرة وقصورا في الدنيا .

المسألة الرابعة : اختلف الفراء في قوله : ( ويجعل ) ، فرفع ابن كثير وابن عامر وعاصم اللام ، وجزمه الآخرون ، فمن جزم فلأن المعنى : إن شاء يجعل لك جنات ويجعل لك قصورا ، ومن رفع فعلى الاستئناف ، والمعنى سيجعل لك قصورا ، هذا قول الزجاج ، قال الواحدي : وبين القراءتين فرق في المعنى ، فمن جزم فالمعنى : إن شاء يجعل لك قصورا في الدنيا ، ولا يحسن الوقوف على الأنهار ، ومن رفع حسن له الوقوف على الأنهار ، واستأنف ، أي ويجعل لك قصورا في الآخرة . وفي مصحف أبي وابن مسعود : ( تبارك الذي إن شاء يجعل ) .

المسألة الخامسة : عن طاوس ، عن ابن عباس قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وجبريل عليه السلام عنده قال جبريل عليه السلام : هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك . فلم يلبث إلا قليلا حتى جاء الملك وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء لم يعطها أحدا قبلك ولا يعطيه أحدا بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئا . فقال عليه السلام : بل يجمعها جميعا لي في الآخرة . فنزل قوله : ( تبارك الذي إن شاء ) الآية وعن ابن عباس قال عليه السلام : عرض علي جبريل بطحاء [ ص: 48 ] مكة ذهبا ، فقلت : بل شبعة وثلاث جوعات ، وذلك أكثر لذكري ومسألتي لربي ، وفي رواية صفوان بن سليم عن عبد الوهاب قال عليه السلام : أشبع يوما وأجوع ثلاثا ، فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت . وعن الضحاك : " لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك ، فنزل جبريل عليه السلام معزيا له ، وقال : إن الله يقرئك السلام ويقول : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ) [الفرقان : 20] الآية ، قال : فبينما جبريل عليه السلام والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان إذ فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك ، ثم قال : أبشر يا محمد ، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك ، فسلم عليه وقال : إن ربك يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا وبين أن تكون نبيا عبدا ومعه سفط من نور يتلألأ ، ثم قال : هذه مفاتيح خزائن الدنيا فاقبضها من غير أن ينقصك الله مما أعد لك في الآخرة جناح بعوضة . فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير ، فأومأ بيده أن تواضع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل نبيا عبدا . قال : فكان عليه السلام بعد ذلك لم يأكل متكئا حتى فارق الدنيا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث