الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دليل أبي حنيفة والرد عليه

جزء التالي صفحة
السابق

فصل : دليل أبي حنيفة والرد عليه

وأما أبو حنيفة فاستدل على إزالة النجاسة بكل مائع طاهر بما روي عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله ، إني امرأة أطيل ذيلي وأجره في المكان القذر . فقال عليه السلام : " يطهره ما بعده " ومعلوم أن ليس بعده إلا التراب فدل على أن لغير الماء مدخل في تطهير النجاسة ، وبما روي أن عائشة رضي الله عنها أصاب ثوبها دم فبلته وقرصته بريقها ، فدل على أن الريق يزيل النجاسة ، وقالوا : ولأنه مائع طاهر مزيل فزال إزالة النجاسة به كالماء ، قالوا : ولأن ما أزال عين النجاسة أوجب إزالة حكمها ، كالقطع بالمقص ، قالوا : ولأن ما استحق إزالة عينه بعيدا لم يختص بالماء كالطيب على بدن المحرم ، قالوا : ولأن الحكم إذا ثبت لمعنى زال الحكم بزوال ذلك المعنى ، فلما كان المعنى في تنجيس المحل وجود العين وجب إذا ارتفعت أن يزول تنجيس المحل ، قالوا : ولأن إناء الخمر لما طهر بانقلابه خلا ، علم أن الخل طهره ، فلما جاز أن يكون الخل مطهرا لإناء الخمر ، جاز أن يكون مطهرا لكل نجس ، قالوا : ولأن هرا لو أكلت فارة أو ميتة ثم ولغت في إناء كان الماء طاهرا ، فدل أن فيها طهر بريقها ، قالوا : ولأن لما كان لغير المائع مدخل في إزالة النجاسة ، وهو الشث والقرظ في الدباغة لم يكن الماء مختصا بالإزالة فكان المائع أولى من الجامد ، لأنه أبلغ في الإزالة .

ودليلنا قوله تعالى : " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به [ الأنفال : 11 ] . والاستدلال بها من وجهين :

أحدهما : أن الله تعالى أخرج هذا مخرج الفضيلة للماء والامتنان به ، فلو شاركه غيره فيه لبطلت فائدة الامتنان .

والثاني . أنه لو أراد بالنص على الماء التنبيه على ما سواه لنص على أدون المائعات ، ليكون تنبيها على أعلاها ، فلما نص على الماء وعلى أعلى المائعات علم أن اختصاصه بالحكم .

[ ص: 45 ] وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ولا سيما في دم الحيض يصيب الثوب حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء " فأمرها بالماء ، والأمر إذا ورد مقيدا بشرط لم يسقط إلا بوجود ذلك الشرط ، ولأنها طهارة شرعية فوجب أن لا تجوز بمائع غير الماء ، كرفع الحدث ، ولأنه غسل مفروض فوجب أن لا يجوز بمائع غير الماء كالغسل من الجنابة ؛ ولأنه مائع لا يرفع الحدث فوجب أن لا يزول النجس كالدهن ، والمرق ، ولأن للماء نوعين من التطهير :

أحدهما : تطهير نفسه بالمكاثرة .

والثاني : تطهير غيره بالمباشرة . فلما انتفى عن المائع تطهير نفسه بالمكاثرة . وجب أن تنتفي عن المائع تطهير غيره بالمباشرة ، وتحريره أنه أحد نوعي التطهير فوجب أن ينتفي عن المائع قياسا على تطهير المكاثرة ، ولأن كل ما نجس بورود النجاسة عليه بكل حال ، نجس بوروده على النجاسة بكل حال كغيره المائع طردا ، وكالماء عكسا ، وإن شئت قلت : ملاقاة الحل والنجاسة يوجب أن يغلب عليه حكم النجاسة ، كما لو وقعت منه نجاسة ، ولأن إزالة النجس أعلا من رفع الحدث بدلالة أن من كان محدثا ، وعلى بدنه نجاسة ، ووجد من الماء ما يكفي أحدهما لزمه استعماله في النجاسة دون الحدث ، فلم يجز استعمال المائعات في رفع الحدث وهو أخف الأمرين حالا فالأولى أن لا يجوز استعماله في إزالة النجاسة لأنه أغلظهما حالا .

وأما الجواب عن تعلقهم بحديث أم سلمة وقوله عليه السلام : " يطهره ما بعده " فهو أنها إشارات إلى غير النجاسة ، أو إلى نجاسة يابسة بدليل أن النجاسة الرطبة لا تطهر بالدلك اتفاقا .

وأما حديث عائشة فمحمول على أحد أمرين إما على نجاسة يسيرة يعفى عن مثلها أو على أنها فعلت ذلك لتلين النجاسة بريقها ، ثم تغسلها بدليل أن الريق لا يزيل النجاسة .

وأما قياسهم على الماء ، فالمعنى في الماء أنه يرفع الحدث فلذلك أزال النجس .

وأما قياسهم على القطع بالمقص ، فالمعنى فيه أنه أزال محل النجاسة .

وأما قياسهم على الطيب في بدن المحرم فالمعنى في الطيب أن القصد منه إزالة ريحه لا إزالة حكمه ، وليس كذلك النجاسة .

وأما قولهم : إن ارتفاع المعنى الموجب للحكم يوجب ارتفاع ذلك الحكم ، فمن أصحابنا من منع ذلك ، ويقول : ليس ارتفاع معنى الحكم موجبا لارتفاع ذلك الحكم ،

[ ص: 46 ] فعلى هذا يمنعون من وجه الاستدلال ، وقال أكثرهم : إن ارتفاعه يوجب ارتفاع حكمه ، فعلى هذا أن يكون المعنى هو حكم النجاسة دون العين ، ألا ترى أنه قد ثبت حكم النجاسة مع عدم العين ، وذلك في ولوغ الكلب في الماء القليل إذا نجس ، وقد يوجد عين النجاسة في الماء الكثير ، ولا يحكم بنجاسته ما لم تغيره ، وفي مسألتنا حكم النجاسة لم يزل بالمائع فكان معنى الحكم باقيا ، وأما نجاسة الإناء إذا ارتفعت بانقلاب الخمر خلا ، وإنما كان ذلك لأن نجاسة الإناء على ظاهره من إجزاء الخمر فإذا انقلبت في الإناء خلا انقلبت تلك الأجزاء معها فصارت خلا فطهر الجميع ، ولا يكون هذا إزالة نجس ، وإنما هو انقلاب خمر إلى خل .

وأما استدلالهم بالهرة إذا أكلت فأرة فغير مسلم ؛ لأننا متى علمنا نجاسة فمها بأن ولغت في الإناء قبل أن تغيب عن العين فالماء نجس ، وإن غابت عن العين ففيه وجهان :

أصحهما : أن الماء نجس ، لأن الأصل بقاء النجاسة في فمها .

والثاني : أن الماء طاهر لأن الأصل طهارة الماء ، وقد يجوز أن الهرة حين غابت ولغت في إناء آخر فطهر فمها .

وأما استشهادهم بالدباغة فحكمها خارج عن إزالة النجاسة ، ألا ترى أن الدباغة لا تجوز بالماء الذي هو أقوى المائعات حكما في إزالة الأنجاس ، لخروجها عن حكم سائر الأنجاس . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث