الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 217 ] ( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) .

الدخول معروف ، وفعله : دخل يدخل ، وهو مما جاء على يفعل بضم العين ، وكان القياس فيه أن يفتح ; لأن وسطه حرف حلق ، كما جاء الكسر في ينزع وقياسه أيضا الفتح . القرية : المدينة ، من قريت : أي جمعت ، سميت بذلك لأنها مجتمع الناس على طريق المساكنة . وقيل : إن قلوا قيل لها قرية ، وإن كثروا قيل لها مدينة . وقيل : أقل العدد الذي تسمى به قرية ثلاثة فما فوقها ، ومنه : قريت الماء في الحوض ، والمقراة : الحوض ، ومنه القرى : وهو الضيافة ، والقري : المجرى ، والقرى : الظهر . ولغة أهل اليمن : القرية ، بكسر القاف ، ويجمعونها على قرى بكسر القاف نحو : رشوة ورشا . وأما قرية بالفتح فجمعت على قرى بضم القاف ، وهو جمع على غير قياس ، قيل : ولم يسمع من فعله المعتل اللام إلا قرية وقرى ، وتروة وترى ، وشهوة وشهى .

الباب : معروف ، وهو المكان الذي يدخل منه ، وجمعه أبواب ، وهو قياس مطرد ، وجاء جمعه على أبوبة في قوله :


هتاك أخبية ولاج أبوبة



لتشاكل أخبية ، كما قالوا : لا دريت ولا تليت ، وأصله تلوت ، فقلبت الواو ياء لتشاكل دريت .

سجدا : جمع ساجد ، وهو قياس مطرد في فاعل وفاعلة الوصفين الصحيحي اللام . وقولوا : كل أمر من ثلاثي اعتلت عينه فانقلبت ألفا في الماضي ، تسقط تلك العين منه إذا أسند لمفرد مذكر نحو : قل وبع ، أو لضمير مؤنث نحو : قلن وبعن ، فإن اتصل به ضمير الواحدة نحو : قولي ، أو ضمير الاثنين نحو : قولا ، أو ضمير الذكور نحو : قولوا ، ثبتت تلك العين ، وعلة الحذف والإثبات مذكورة في النحو . وقد جاء حذفها في الشعر ، فجاء قوله : قلى وعشا .

حطة : على وزن فعلة من الحط ، وهو مصدر كالحط ، وقيل : هو هيئة وحال : كالجلسة والقعدة ، والحط : الإزالة ، حططت عنه الخراج : أزلته عنه . والنزول : حططت . وحكي : بفناء زيد نزلت به ، والنقل من علو إلى أسفل ، ومنه انحطاط القدر . وقال أحمد بن يحيى ، وأبان بن تغلب ، الحطة : التوبة . وأنشدوا :


فاز بالحطة التي جعل الله     بها ذنب عبده مغفورا



أي فاز بالتوبة .

وتفسيرهما الحطة بالتوبة إنما هو تفسير باللازم لا بالمرادف ; لأن من حط عنه الذنب فقد تيب عليه . الغفر والغفران : الستر ، وفعله غفر يغفر ، بفتح الغين في الماضي وكسرها في المضارع . والغفيرة : المغفرة ، والغفارة : السحاب وما يلبس به سية القوس ، وخرقة تلبس تحت الخمار ، ومثله المغفر . والجماء الغفير : أي جماعة يستر بعضهم بعضا من الكثرة . وقول عمر لمن قال له : لم حصبت المسجد : هو أغفر للنخامة . كل هذا راجع لمعنى الستر والتغطية . الخطيئة : فعيلة من الخطأ ، والخطأ : العدول عن القصد ، يقال خطئ الشيء : أصابه بغير قصد ، وأخطأ : إذا تعمد ، وأما خطايا : فجمع خطية ، مشددة عند الفراء ، كهدية وهدايا ، وجمع خطيئة المهموز عند سيبويه والخليل . فعند سيبويه : أصله خطائي ، مثل : صحائف ، وزنه فعائل ، ثم أعلت الهمزة الثانية بقلبها ياء ، ثم فتحت الأولى التي كان أصلها ياء المد في خطيئة فصار : خطأى ، فتحركت الياء وانفتح ما قبلها ، فصار : خطآء ، فوقعت همزة بين ألفين ، والهمزة شبيهة بالألف فصار كأنه اجتمع ثلاثة أمثال ، فأبدلوا منها ياء فصار خطايا ، كهدايا ومطايا . وعند الخليل أصله : خطايئ ، ثم [ ص: 218 ] قلب فصار خطائي على وزن فعالي ، المقلوب من فعائل ، ثم عمل فيه العمل السابق في قول سيبويه .

وملخص ذلك : أن الياء في خطايا منقلبة عن الهمزة المبدلة من الياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة زائدة في خطيئة ، على رأي سيبويه ، والألف بعدها منقلبة عن الياء المبدلة من الهمزة التي هي لام الكلمة ، ومنقلبة عن الهمزة التي هي لام الكلمة في الجمع والمفرد ، والألف بعدها هي الياء التي كانت ياء بعد ألف الجمع التي كانت مدة في المفرد ، على رأي الخليل . وقد أمعنا الكلام في هذه المسألة في ( كتاب التكميل لشرح التسهيل ) من تأليفنا .

الإحسان والإنعام والإفضال : نظائر ، أحسن الرجل : أتى بالحسن ، وأحسن الشيء : أتى به حسنا ، وأحسن إلى عمرو : أسدى إليه خيرا . التبديل : تغيير الشيء بآخر . تقول : هذا بدل هذا : أي عوضه ، ويتعدى لاثنين ، الثاني أصله حرف جر . بدلت دينارا بدرهم ؛ أي : جعلت دينارا عوض الدرهم ، وقد يتعدى لثلاثة فتقول : بدلت زيدا دينارا بدرهم ؛ أي حصلت له دينارا عوضا من درهم ، وقد يجوز حذف حرف الجر لفهم المعنى ، قال تعالى : ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم ) ، أي يجعل لهم حسنات عوض السيئات ، وقد وهم كثير من الناس فجعلوا ما دخلت عليه الباء هو الحاصل ، والمنصوب هو الذاهب ، حتى قالوا : ولو أبدل ضادا بظاء لم تصح صلاته ، وصوابه : لو أبدل ظاء بضاد .

الرجز : العذاب ، وتكسر راؤه وتضم ، والضم لغة بني الصعدات ، وقد قرئ بهما في بعض المواضع ، قال رؤبة :


كم رامنا من ذي عديد مبزي     حتى وقينا كيده بالرجز

والرجز ، بالضم : اسم صنم مشهور ، والرجزاء : ناقة أصاب عجزها داء ، فإذا نهضت ارتعشت أفخاذها ، قال الشاعر :

هممت بخير ثم قصرت دونه كما ناءت الرجزاء شد عقالها

قيل : الرجز مشتق من الرجازة ، وهي صوف تزين به الهوادج ، كأنه وسمهم ، قال الشاعر :


ولو ثقفاها ضرجت بدمائها كما     ضرجت نضو القرام الرجائز

الاستسقاء : طلب السقي ، والطلب أحد المعاني التي سبق ذكرها في الاستفعال في قوله : ( وإياك نستعين ) . العصا : مؤنث ، والألف منقلبة عن واو ، قالوا : عصوان ، وعصوته : أي ضربته بالعصا ، ويجمع على أفعل شذوذا ، قالوا : أعص ، أصله أعصو ، وعلى فعول قياسا ، قالوا : عصي ، أصله عصوو ، ويتبع حركة العين حركة الصاد ، قال الشاعر :


ألا إن لا تكن إبل فمعزى     كائن قرون جلتها العصى

الحجر : هو هذا الجسم الصلب المعروف عند الناس ، وجمع على أحجار وحجار ، وهما جمعان مقيسان فيه ، وقالوا : حجارة بالتاء ، واشتقوا منه ، قالوا : استحجر الطين ، والاشتقاق من الأعيان قليل جدا . الانفجار : انصداع شيء من شيء ، ومنه انفجر ، والفجور : وهو الانبعاث في المعصية كالماء ، وهو مطاوع فعل فجره فانفجر ، والمطاوعة أحد المعاني التي جاء لها انفعل ، وقد تقدم ذكرها .

اثنتا : تأنيث اثنين ، وكلاهما له إعراب المثنى ، وليس بمثنى حقيقة لأنه لا يفرد ، فيقال : اثن ، ولا اثنة ، ولامهما محذوفة ، وهي ياء ; لأنه من ثنيت العشرة ، بإسكان الشين ، لغة الحجاز ، وبكسرها لغة تميم ، والفتح فيها شاذ غير معروف ، وهو أول العقود ، واشتقوا منه فقالوا : عشرهم يعشرهم ، ومنه العشر والعشر ، والعشر : شجر لين ، والأعشار : القطع لا واحد لها ، ووصل بها المفرد ، قالوا : برمة أعشار .

العين : لفظ مشترك بين منبع الماء والعضو الباصر ، والسحابة تقبل من ناحية القبلة ، والمطر يمطر خمسا أو ستا ، [ ص: 219 ] لا يقلع ، ومن له شرف في الناس ، والثقب في المزادة والذهب وغير ذلك ، وجمع على أعين شاذ ، أو عيون قياسا ، وقالوا في الأشراف من الناس : أعيان ، وجاء ذلك قليلا في العضو الباصر ، قال الشاعر :


أسمل أعيانا لها ومآقيا



أناس : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وإذا سمي به مذكر صرف ، وقول الشاعر :


وإلى ابن أم أناس أرحل ناقتي



منع صرفه ، إما لأنه علم على مؤنث ، وإما ضرورة على مذهب الكوفيين . مشرب : مفعل من الشراب يكون للمصدر والزمان والمكان ، ويطرد من كل ثلاثي متصرف مجرد ، لم تكسر عين مضارعه سواء صحت لامه : كسرت ودخل ، أو أعلت : كرمى وغزا . وشذ من ذلك ألفاظ ذكرها النحويون . العثو ، والعثي : أشد الفساد ، يقال : عثا يعثو عثوا ، وعثى يعثي عثيا ، وعثا يعثي عثيا : لغة شاذة ، قال الشاعر :


لولا الحياء وأن رأسي قد عثا     فيه المشيب لزرت أم القاسم

وثبوت العثي دليل على أن عثى ليس أصلها عثو ، كرضي الذي أصله رضو ، خلافا لزاعمه . وعاث يعيث عيثا ومعاثا ، وعث يعث كذلك ، ومنه عثة الصوف : وهي السوسة التي تلحسه .

الطعام : اسم لما يطعم ، كالعطاء ، اسم لما يعطى ، وهو جنس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث