الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

من فقه الأقليات المسلمة

خالد محمد عبد القادر

المبحث الأول: أقسام مجتمعات المخالفين حسب دياناتها

البشر في نظر الشريعة الإسلامية، ينقسمون بحسب الديانة، إلى طائفتين كبيرتين:

أ - طائفة المسلمين.

ب - طائفة الكافرين. [ ص: 43 ]

والذي نبغي بيانه هـنا هـو طوائف الكافرين المشهورة منها، وذائعة الصيت، وهؤلاء أصناف وملل شتى، يجمعهم وصف واحد وهو الكفر، وإن كان لكل صنف منهم اسم خاص يميزه عن الآخر.

(والكافر هـو من لم يؤمن بوحدانية الله سبحانه وتعالى ، أو بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو بشريعته، أو بثلاثتها) [1] وبعبارة موجزة: هـو من لم يعتنق دين الله الحق (الإسلام) .

وهم أصناف:

أولا: أهل الكتـاب

اختلف الفقهاء في تحديد الكتابي ، وفيمن ينطبق عليه هـذا الوصف، إلى فريقين:

الفريق الأول: الحنفيـة :

فقد ذهبوا في تعريفه إلى أنه: (هو كل من اعتقد دينا سماويا، وله كتاب منزل، كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وشيث، وزبور داود) [2] ، ونص على ذلك الشافعي [3] فأهل الكتاب عند هـؤلاء ليسوا هـم اليهود والنصارى كما هـو مشهور فحسب، بل هـم من لهم كتاب ذو أصل سماوي. [ ص: 44 ]

ويظهر أن الحنفية ومن وافقهم، نظروا إلى طبيعة اللفظ اللغوية (أهل الكتـاب) ، أي أصحـاب أي كتـاب سمـاوي، وبه قـال أبـو يعلـى ، مـن الحنابلة [4] الفريق الآخر، وهم جمهور الأمة من العلماء والفقهاء:

فقد قالوا: (إن أهل الكتاب هـم اليهود والنصارى فقط) ، ولا يدخل غيرهم في هـذا المسمى، لقوله تعالى: ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) (الأنعام: 156) .

ووجه الدلالة، أن أهل الكتاب لـو كـانوا أكثر من طائفتين لما خصهم بهما (أي بالطائفتين) .

" وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : إن المقصود بالطائفتين هـم اليهود والنصارى " ، وذهب ابن عطية إلى إضافة القول: (بإجماع من أهل التأويل) .

وقال أصحاب هـذا القول: وأما أصحاب الصحف فلا يدخلون تحت مسمى (أهل الكتاب) ، لأنها كانت مواعـظ، وأمثالا لا أحكـام فيهـا ولا شرائع، فلا يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام. [ ص: 45 ]

ولا يشترط في الكتابي أن يلتزم بدينه عقيدة وسلوكا، فقد ذهب جمهور الأمة [5] إلى أنه تكفي العقيدة، فبمجرد أن يعتقد شخص دينا من أديان أهل الكتاب فإنه يصبح به كتابيا، ولو لم يلتزم بالعمل بأحكامه، أو لم يكيف منهجه وفق منهج دينه.

وأما ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من اعتراضه على الصحابة لما اعتبروا عرب بني تغلب المتنصرين من أهل الكتاب، أنه " قال: إنهم ليس معهم من النصرانية سوى شرب الخمر، فأجابه جميع الصحابة: حسبنا أنهم صاروا نصارى.

ورد ابن عبـاس رضي الله عنهما فقـال: قـال تعـالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) (المائدة: 51) .

فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية في نصرهم، وتوليتهم إياهم في الحـرب لكـانوا منهـم " [6] ، واتفـق الصحابـة علـى ذلك مـا عـدا عليا رضي الله عنه [7] ، وصالحهم عمر رضي الله عنه على الجزية [8] [ ص: 46 ]

وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يكره ذبائحهم ونساءهم، ولم يحرمهما [9]

ثانيا: المجوس

المجوس قوم يعظمون الأنوار، والنيران، والماء، والأرض، ويقرون بنبوة زرادشت [10] ، وقيـل: كـان لـه كتاب، ولهـم شـرائع يقرون بها، وهـم فـرق شتى [11] واختلف الفقهاء: هـل المجوس أهل كتاب أم لا؟ على قولين:

القول الأول: وهو قول جماهير الأمة، أنهم ليسوا بأهل كتاب [12] القول الثاني: وهو قول الشافعي ، أنهم أهل كتاب.

فقد قال في الأم [13] : والمجوس كانوا أهل الكتاب، يجمعهم اسم أنهم أهل كتاب مع اليهود والنصارى . وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان للمجوس كتاب يقرءونه وعلم يدرسونه، ولكنه رفع [14] [ ص: 47 ]

وقال الصنعاني : ولا يخفى أن في قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) [15] ، ما يشعر بأنهم ليسوا بأهل الكتاب [16] قلت: ومما يؤيد رأي الجمهور، عدم حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، باتفاق أهل العلم إلا ( أبا ثور ) [17] . ومن جهة أخرى، فإن قول علي رضي الله عنه والشافعـي رحمـه الله خـلاف ما تـدل عليـه آيـة: ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين ) (الأنعام: 156) ، إذا نحن أخذنا بظاهرها، لتصبح لدينا ثلاث طوائف بدل اثنتين.

أماكن وجودهم

توجد في إيران في الوقت الحاضر طائفة من المجوس، يبلغ عددها المليون تقريبا، ولهم معابد ونيران [18] لا يدعونها تخمد لحظة واحدة [19] [ ص: 48 ]

ثالثا: الدهريون

الدهريون ينكرون الخالق، ويقولون: لا إله ولا صانع للعالم، وأن هـذه الأشياء وجدت بلا خالق.. فهم قد عطلوا المصنوعات عن صانعها، وقالوا ما حكـاه الله عنهـم: ( وقالوا ما هـي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ) (الجاثية: 24) .

وقال تعالى عنهـم أيضا: ( وقالوا إن هـي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ) (الأنعام: 29) .

والدهر هـو مر الزمان الطويل، وطول العمر، واختلاف الليل والنهار.

وقالت فرقة منهم: إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل، وإن العالم دائم لم يزل ولا يزال [20] وهـؤلاء قديما، يتفق معهم حديثا -في أصل نظرتهـم للكـون والحياة- الشيوعيون.

والشيوعية : مذهب فكري يقوم على الإلحاد -أي إنكار وجود الله سبحانه، والغيبيات كلها- وأن المادة هـي أساس كل شيء.

وتفسر الشيوعية التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي.. [ ص: 49 ] وشعارهم: نؤمن بثلاثة: ماركس [21] ، ولينين [22] ، وستالين [23] ، ونكفر بثلاثة: الله، والدين، والملكية الخاصة!

وينكرون الآخرة، ويؤمنون بأزلية المادة، ويحاربون الأديان [24] ، والملكية الخاصة [25] ، ومن شعاراتهم العسكرية: بالحديد والنار تنتصـر الثورة.

عرفت الشيوعية بالقسوة والعنف والإبادة الوحشية للمخالفين لها، لكن التطورات الأخيرة فيما كان يعرف بالاتحاد السوفياتي حملت انفراجا للأديان.

رابعا: المشركون

سمي هـؤلاء بالمشركين نسبة إلى الشرك.. والشرك: هـو أن يتخذ المرء من دون الله ندا (أي مثلا ونظيرا) يحبه كحبه، ويعظمه كتعظيمه، ويعبده كعبادته، وهذا هـو حال مشركي العالم، إذ يسوون آلهتهم برب العالمين [26] [ ص: 50 ]

وقد ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. )

[27] فهؤلاء المشركون يقرون بربوبية الله تعالى في الجملة، وأنه الخالق المالك، ولكنهم لا يفردونه -سبحانه- وحده بالعبادة والتوجه، بل يجعلون معه غيره -ليقربهم إلى الله- مما يستحسنونه من الأصنام والأوثان والشمس والملائكة والنيران والأناسي، وغير ذلك.

ومن ملل أهل الشرك ذوات النفوذ والانتشار والأغلبية في ديارها، نذكر: الهندوسية، الكونفوشيوسية، البوذية، السيخية.

التالي السابق


الخدمات العلمية