الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

نحن والحضارة والشهود [الجزء الأول]

الدكتور / نعمان عبد الرزاق السامرائي

عاشرا: فساد شبكة العلاقات

المفكر الإسلامي (مالك بن نبي ) يرحمه الله، يطرح فكرة ملخصها: أن الحضارة تبقى وتعيش وتستمر ما دامت شبكة العلاقات الاجتماعية سليمة قوية، فإذا فسدت تدهورت الحضارة وسقطت.. يكرر هـذه النظرية في جل كتبه.

ففي (ميلاد مجتمع ) كتب قائلا [1] :.. عندما يرتخي التوتر في خيوط (شبكة العلاقات) ، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك، [ ص: 140 ] وبصـورة فعـالة، فـذلك أمـارة عـلى أن المجـتمع (مريض) وأنه ماض إلى نهايته.

أما إذا تفككت الشبكة نهائيا، فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى، مدفونة في كتب التاريخ.

وقد تحين هـذه النهاية، والمجتمع متخم بالأشخاص والأفكار والأشياء، كما كان المجتمع الإسلامي في المشرق، في نهاية العصر العباسي، وفي المغرب، في نهاية عصر الموحدين.

وربما كانت هـذه الحالة -من التحلل والتمزق في المجتمع الإسلامي- حين أصبح عاجزا عن أي نشاط مشترك، هـي التي أشار إليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] : ( يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يارسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت. )

ومالك يرحمه الله يولي هـذه القضية عناية كبيرة، شرحا وتفصيلا، فيقول [3] :... فقبل أن يتحلل المجتمع تحللا كليا، فإن المرض يحتل جسده الاجتماعي، في هـيئة انفصالات في شبكته الاجتماعية، [ ص: 141 ] للأسباب التي ذكرناها، كما وكيفا، وهذه الحالة المرضية قد تستمر قليلا أو كثيرا قبل أن تبلغ نهايتها، في صورة انحلال تام، وتلك هـي مرحلة التحلل البطيء الذي يسري في الجسد الاجتماعي. بيد أن جميع أسباب هـذا التحلل كامنة في شبكة العلاقات... ) .

وللمؤرخ توينبي فكرة عن انحلال الحضارة، فبعد رفضه الاجتياح العسكري، يرى [4] أن انحلال الحضارة يزامنه فساد كبير، يدب في أرواح الناس، وتغير جذري يطرأ على سلوكهم ومشاعرهم وحياتهم كلها، فيحل مكان الصفات الجيدة، والقوى المبدعة، التي كانوا يتحلون بها، في دور النمو لحضارتهم، يحل مكانها (ثنائية ) من النزعات والمواقف العقيمة المتناقضة، وهنا ينكشف ويتعرى الفساد الروحي، كاشفا عن فوضوية، تعم الأخلاق والعادات، وانحطاط يشمل الآداب والفنون، ثم قد تسعى (الأقلية المسيطرة) إلى فرض فلسفة خاصة، أو دين جديد، مستعملة في ذلك القوة، ولكن دون جدوى ولا فائدة...

تصور جيد، ومن يطبق هـذه النظرية على الحضارة الإسلامية في الأندلس، أو العباسية في المشرق، وحتى العثمانية، فسيجد الكثير من الشواهد على صحة هـذه النظرية. [ ص: 142 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية