الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
الحضارة ( Civilization) اصطلاحا

يعود أصلها الغربي إلى المدينة، وهنا يطابق الأصل العربي (الحاضرة ) بمعنى المدينة، والمتحضر ساكن الحاضرة، وشاع في العربية: سكان الحواضر، وأهل الحواضر، في مقابل البادية وأهل البادية، لكن الاستعمال الغربي للحضارة لم يتبلور قبل القرن الثامن عشر [1] وسوف استعرض بعض هـذه التعاريف:

1) تعريف (ديورنت ) : إنها نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقـية، ومتـابعة العـلـوم والفنون، وهي [ ص: 62 ] تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه، للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها. [2] يلاحظ أن التعريف جاء جامعا، ومعه شرحه، علما بأن ديورنت خير من اعتنى بالحضارة، وكتابه (قصة الحضارة ) خير شاهد.

2) يركز المفكرون الألمان على الأبعاد المادية من حياة الإنسان، بينما يركز المفكرون الفرنسيون على البعدين المادي والفكري من أبعاد التقدم. [3] 3) يعرفها (جورج باستيد ) الفرنسي: بأنها التدخل الإنساني الإيجابي، لمواجهة ضرورات الطبيعة، تجاوبا مع إرادة التمرد في الإنسان، وتحقيقا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته، ولإنقاص العناء البشري. [4] والتعريف ينصب على الهدف من الحضارة بالدرجة الأولى.

4) يعرفها (تايلر) بأنها ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات، والفنون والآداب، والقوانين والعادات، وجميع القدرات، والتقاليد الأخرى، التي يكسبها الإنسان، بصفته عضوا في المجتمع. [5] التعريف يركز على مشتملات الحضارة، بشكل عام. [ ص: 63 ]

5) يعرفها د.قسطنطين زريق : بأنها حياة المجتمع المتمثلة في نظمه ومؤسساته ومكاسبه وإنجازاته، وفي القيم والمعاني التي تنطوي هـذه الحياة عليها. [6] وهذا التعريف قريب جدا من تعريف تايلر، وكأنه مأخوذ منه، أو هـو اختصار له.

6) د. برهان غليون يحاول أن يقارن بين الحضارة والمدنية فيقول: (إذا كانت الحضارة هـي النمو المطرد، في المنظومات المادية، والعقلية والروحية، التي تنقل المجتمع من البدائية إلى التحضر، وتجعله يتجاوز -كما ذكر ابن خلدون- إنتاج الحاجيات إلى الكماليات، أو تطوير نوعية إرضاء الحاجات، فإن المدنية هـي المبادئ التي تقوم عليها هـذه المنظومات، أو التي تشكل نواتها الأولى. وإذا كانت الحضارة مرتبطة أساسا بتنظيم علاقة الإنسان بالطبيعة، ودرجة سيطرته عليها، وأنماط إنتاجه المادي والروحي، فالمدنية ترتبط بتنظيم علاقات الإنسان الاجتماعية، وبدرجة تحول هـذه العلاقات إلى علاقات مبنية على التواصل والتبادل السلمي، لا على العنف والإكراه، وعكسها ) (البربرية) .

إن المدنية ثمرة الثقافة، لكنها ليست نتيجة تلقائية لها. [7] .

الحضارة إذن النمو في الماديات والعقليات والروحيات، أما المدنية فهي المبادئ [ ص: 64 ] التي تقوم عليها الحضارة، والتي تنظم علاقات الإنسان الاجتماعية.

7) د. نصر عارف يرى أن المترجمين العرب لمصطلح ( Civilization ) قد انقسموا قسمين: [8] أ- القسم الأول: ترجمها (حضارة ) ، وقد بدأ ذلك في أوائل القرن التاسع عشر، فقد ظهرت في كتابات (رفاعة الطهطاوي) -المشرف على البعثات المصرية إلى أوروبا - فهو حين يتحدث عن التمدن يقول: إن للتمدن أصلين: معنوي وهو التمدن الأخلاقي، وفي العوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة، التي تسعى باسم دينها وجنسها للتميز عن غيرها.

والقسم الثاني تمدن مادي، وهو التقدم في المنافع العمومية.. وقد استمر هـذا الفهم للتمدن، حتى أوائل القرن العشرين، وابتداء من الربع الثاني للقرن العشرين، شاع هـذا الاستعمال كثيرا، أي ترجمة ( Civilization ) إلى حضارة.

يعلق د. نصر على ما تقدم، فيرى: أن الترجمة إلى الحضارة بدت صحيحة في ضوء أحد معاني (الحضارة ) ، لكن تطور المفهوم العربي، وتلبسه بالدلالات الغربية، قد أخرج مفهوم الحضارة عن نطاقه ومحتواه [9] . كما يرى أن ثمة إجماعا في القواميس والمعاجم، على اعتبار الحضارة هـي جملة الظواهر الاجتماعية ذات الطابع المادي [ ص: 65 ] والعلمي والفني والتقني، الموجودة في المجتمع، والتي تمثل مرحلة راقية في التطور الإنساني [10]

التالي السابق


الخدمات العلمية