الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

الدعاء (سبيل الحياة الطيبة)

الدكتورة / سعاد الناصر

2- الارتقاء السلوكي والأخلاقي

يشتمل الدين الإسلامي على عنصرين متكاملين: العقيدة والمنهج ( ... لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ... ) (المائدة:48) .

وقد بلـغ هـذان العنصران من الكمال بمقدار ما أراد الله لدينه من الكمال والاستمرار والشمول،

يقول تعالى: ( ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... ) (المائدة:3) ،

ويقول تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... ) (آل عمران:103) .. [ ص: 45 ] و «الاعتصام بالدين هـو حركة متكاملة بين الباطن والظاهر, بين العقيدة والسلوك, بين القلب والعقل، بين الفرد والجماعة (...) فهو حركة تستهدف إنشاء أمة وإنشاء ثقافة، ليجد الإنسان المسلم في ظل الحضارة والثقافة والدولة الإسلامية المجال الحيوي الذي يتحرك فيه» [1] .

( وحين يقول صلى الله عليه وسلم : إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) [2] ، فإنه يقرر حقيقة أن الشريعة الإسلامية تنبع وتنبثق من عقيدة أساسها الأخلاق، وأن هـذه الأخلاق هـي العامل الأهم في استمرارية شعلة الإيمان في حياة كل مسلم, وجعلها المحك الذي يجعل التصور العقدي ينـزل على أرض الواقع, ويعكسه بشكل تطبيقي متكامل في كل الممارسات الإنسانية المتعددة, لتكون حياة الإنسان متوازنة بين التصور والسلوك, تستجيب للآيات القرآنية الكثيرة المتعلقة بموضوع الأخـلاق وربطها بالسلوك, كما تستجيب لحثه صلى الله عليه وسلم على التخلق بالأخلاق الحسنة في مثل قوله: ( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) [3] ، وتتنـافس على تبوأ مكانتها قرب رسول الله يوم القيامة، ( يقول صلى الله عليه وسلم : إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة [ ص: 46 ] أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.. قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون ) [4] . ومن الاستجابة والتنافس ينبع سلوك عملي وأخلاقي يتميز به المسلم عن غيره, ولذلك يجب أن تكون معاملات وممارسات وسلوكيات المسلم قائمة على منهج أخلاقي، وعلى عدم الفصل بين الحياة المادية والروحية,

يقول تعالى: ( هـو الأول والآخر والظاهر والباطن ... ) (الحديد:3)

كي تكون الحياة في المجتمعات الإسلامية منضبطة ومتوازنة, وتعيش حالات صحية هـادئة وكريمة.

ونظرة إلى السلم الأخلاقي في التصور الإسلامي تكشف أن الأخلاق قابلة للتقويم والاكتساب بالتربية والمجاهدة, وأن «لدى كل إنسان أهلية للتقويم واستعداد لاكتساب الجيد من الأخلاق والتخلي عن القبيح منها, وإن كان الناس متفاوتين في مقدار أهليتهم واستعدادهم لهذا الأمر» [5] . لذلك فإن المسلم مطالب دائما بوضع نفسه موضع تساؤل عن مدى تخلقه, وقياس أخلاقه بدرجات قوة الإيمان فيها (أي في نفسه) ؛ لأن الأخلاق موصولة بالإيمان ومعاني التقوى, وهذه الصلة تشتد كلما قوي الإيمان في النفس, ورسخت العقيدة فيها, مما يجعل أخلاق المسلم الطيبة [ ص: 47 ] ثابتة لا تزول ولا تضعف؛ لأنها موصولة بالقوي العزيز, وتجد مادة بقائها واستمرارها وصلاحها من فيضه الذي لا ينضب [6] ،

يقول تعالى: ( قد أفلح من زكاها ) (الشمس:9) ,

ولا شيء مثل العبادات يسهل تزكية النفس وقبول الأخلاق الحسنة والنفور من السيئة,

يقول تعالى: ( ... وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ... ) (العنكبوت:45) ,

ويقول في آية أخرى: ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ... ) (التوبة:103) .

«وليست العلاقة مع الله ساعة مناجاة في الصباح أو المساء ينطلق المرء بعدها في إرجاء الدنيا يفعل ما يريد,كلا هـذا تدين مغشوش.. الدين الحق أن يرقب المرء ربه حيثما كان، وأن يقيد مسالكه بأوامره ونواهيه, وأن يشـعر بضعفـه البشري فيستـعين بربه في كل ما يعتريه» [7] ، أي لا يعتقد المسلم أنه «بتأديته الصلوات الخمس قد بلغ ذروة الكمال, دون أن يحاول تعديل سلوكه وإصلاح نفسه» [8] وبلوغ درجات السمو الإخلاقي؛ لأن هـذا اعتقاد فاسد لا يحقق مقاصد العبادات.

وإذا كانت الصلاة والزكاة وسائر العبادات العملية تزكي النفس وتطهرها وتكسبها عمق التخلق بالأخلاق الحسنة, فإن الدعاء المصاحب [ ص: 48 ] لهذه العبادات أو غيرها بالإضافة إلى ذلك, يزيد من انخفاض مستويات التوتر والقلق, ويساعد على صفاء الذهن والقدرة على التركيز وتقوية الإرادة, والبعد عن وساوس النفس والشيطان, كما أنه تدريب عملي وتطبيقي سهل للسمو بالنفس في مدارج الأخلاق، والارتقاء بالروح لتكون أهلا لمصاحبة ( رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان من دعائه، عليه الصلاة والسلام : «اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي ) [9] , كما كان من توجيهاته القيمة في مجـال الارتقاء السلوكي والأخلاقي ( قوله صلى الله عليه وسلم : «ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم؛ والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده؛ والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله؛ والمهاجر من هـجر الخطايا والذنوب ) [10] .

والقيم الأخلاقية في الإسلام لا تتغير ولا تتطور تبعا للظروف الاجتماعية أو السياسية والأحوال الاقتصادية، بل هـي حواجز وحدود ثابتة متينة ضد الفوضى والظلم والشر والفساد،

يقول الله تعالى: ( ... تلك حدود الله فلا تعتدوها ... ) (البقرة:229) ،

ولذلك فالإنسان المؤمن يسعى دائما إلى الثبات على قيم الإسلام مهما تغيرت به الأحوال, ولا يحق له التغيير سوى فيما يساعده على ذاك الثبات وما يحقق طبيعة استخلافه في [ ص: 49 ] الأرض. ومن هـذا المنطلق، لا يقدم لربه إلا ما كان طيبا نقيا خالصا, ( يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:

( يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ) (المؤمنون:51) ،

وقال: ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ... ) (البقرة:172) ،

ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك )
[11] .

والسيرة النبوية، رغم أنها من الناحية الزمنية تمثل مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي, إلا أنها تتميز عنه بأنها تنـزيل متكامل للقيم الإنسانية والأخلاقية على الواقع, وبيان عملي تطبيقي لها, وتشخيص منه صلى الله عليه وسلم لأوامر الله عز وجل ونواهيه وتوجيهاته. وهي لذلك حياة مخبريه ومعيارية تجسدت في الواقع, وتحققت استجابة الناس لها وتمثلها في سلوكياتهم وحياتهم. وعلى عكس ما يقال بأن الإنسان إذا اتخذ أصلا ونموذجا يصبح سلطة مرجعية ضاغطة وقاهرة تحتوي الذات وتفقدها شخصيتها واستقلالها, وإنما إذا اتخذ نموذجا سليما متزنا فإنه يكتسب شخصية قوية [ ص: 50 ] متوازنة مع نفسها ومع ما يحيط بها, ولا تظل تائهة ضائعة في خضم لمعان النماذج السلبية المنحرفة؛ لأنه يكون واعيا أن نموذجه المثالي المتمثل في رسول الله مؤيد من الله عز وجل ومعصوم من الخطأ الذي قد يقع فيه باقي النماذج، وبالتالي يستطيع التعامل مع النماذج الإنسانية الأخرى تعاملا نقديا فيأخذ منها ما يفيده ويطرح ما يضره، ويكون بذلك صادقا مع نفسه ومع فطرته, معتزا بانتمائه وإيمانه.

يقول تعالى: ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (الإسراء:70) ..

ورغم أن الخطاب هـنا شامل لبني آدم جميعا بضمان كرامتهم, إلا أن التوصل إلى لب هـذا التكريم يكون بالإيمان وحسن التخلق, والإحساس بهما, وتذوقهما, وممارستهما عمليا كي يحس الإنسان بتكريم الله وكرمه, وبالسـعادة والاكتفاء والشبع في الحياة الدنيا, ويسمو بروحه المؤمـنة, فيتطلع ويتشوق إلى الحياة الدائمة التي ذاق جزءا من حلاوتها بإيمانه فيرتقي بسلوكياته, ويراقب تصرفاته ويضبطـها, ويستـشعر الرقابة الإلهية المطبقـة على حركاته وسكناته، فلا يعزم على أي عمل يغضـب ربه تعالى, أو أي ممـارسة مخالفـة للموازين الإلهية في السـلوك والعلاقـات الاجتماعية, وبالتالي يكون لذكر الله ودعائه أثر يصـده عن كل ذنب أو معصـية, ويمنحه [ ص: 51 ] بوصلة يستهدي بها لتوجيه تصوره العقدي والمذهبي, ويصله بمصدر إنتاج القيم التي تمنح شخصيته خصوصيتها وتوازنها. فلا شيء يضاهي جمـال الأخلاق ورفعتها وسموها, فإذا الـتزم بها المؤمـن ألزمـته, إضافة إلى ما ذكرته, بالحفاظ على أمن الكون والإنسان وسلامتهما؛ لأنه يؤمن بأن فناء الكون وقيامته لا تقوم إلا على شرار الناس، كما أخبر الصادق الأمين، أي إذا أذنت الأخلاقيات بالزوال, وانعدمت في الكون فقد آن أوان القيامة وفناء الدنيا.

وأكثر ما تحتاج إليه الأمة في مرحلتها الحضارية الراهنة هـو صقل القيم الأخلاقية في نفوس أفرادها, كي تستطيع الرؤية بوضوح ويقين وثقة, وتتمكن من حماية ذاتها الفردية والجماعية من حالات التخلف والسقوط والانكسار والشعور بالدونية والنقص. وهي قيم تفتح لها آفاقا لكشف عن معطيات حضارتها, وحقيقة هـويتها، التي تذوب في لفحات التفوق المادي لدى الأمم الأخرى, ورفعة رسالتها العالمية, وتحيلها على الطاقات الكامنة في عقيدتها التي استطاعت أن تمتد في الزمان والمكان, فتحاول السعي لإعادة الاعتبار للأنا الحضارية وإعطائها صورتها الحقيقية قبل أن تتعرض للمسخ والتشويه أكثر مما هـي عليه, وتعزز انتماءها من أجل التأثير في البنيات المختلفة المشكلة لواقعها المعاصر, والارتقاء به نحو مدارج السمو المحققة لدرجات الاستخلاف [ ص: 52 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية