الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          2154 - مسألة : وأما القسامة في العبد يوجد مقتولا ؟ فإن الناس اختلفوا في ذلك : فقال أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن : القسامة في العبد يوجد قتيلا كما هي في الحر ، وعليهم قيمته في ثلاث سنين ، لا يبلغ بها دية حر - وروي عن أبي يوسف : لا قسامة فيه ، ولا غرامة وهو هدر - وهو قول مالك ، وأصحابه ، وابن شبرمة .

                                                                                                                                                                                          وقال الأوزاعي : لا قسامة فيه ، ولكن يغرمون ثمنه .

                                                                                                                                                                                          وقال : زفر ، والشافعي : فيه القسامة والقيمة ، إلا أن زفر قال : يقسمون ويغرمون قيمته - وقال الشافعي : يحلف العبد ويغرم القوم قيمته .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وقولنا فيه إن القسامة فيه كالحر - سواء سواء - في كل حكم من أحكامه ؟ فلما اختلفوا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائفة لقولها .

                                                                                                                                                                                          فوجدنا من قال : لا قسامة في العبد يقولون : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حكم [ ص: 319 ] بالقسامة في حر لا في عبد ، فلا يجوز أن نحكم بها إلا حيث حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          وقال بعضهم : العبد مال كالبهيمة ولا قسامة في البهيمة ، ولا في سائر الأموال - وما نعلم لهم حجة غير هذا ؟ فلما نظرنا في ذلك وجدنا هاتين الحجتين لا متعلق لهم فيهما : أما قولهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحكم بالقسامة إلا في حر ؟ فقد قلنا : في هذا ما كفى ، ولم يقل عليه السلام إني إنما حكمت بهذا ; لأنه كان حرا ؟ فنقول عليه ما لم يقل ، ونخبر عن مراده بما لم يخبر - عليه السلام - عن نفسه وهذا تكهن وتخرص بالباطل ، وهذا لا يحل أصلا ، والعبد قتيل ففيه القسامة كما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مزيد .

                                                                                                                                                                                          وأما قول من قال : إن العبد مال فلا قسامة فيه كما لا قسامة في البهيمة ؟ فقول فاسد ; لأنه قياس ، والقياس كله باطل ، فالعبد - وإن كان مالا فأرادوا أن يجعلوا له حكم الأموال والبهائم من أجل أنه مال ، فإن الحر أيضا حيوان كما أن البهيمة حيوان ، فينبغي أن نبطل القسامة في الحر قياسا على بطلانها في سائر الحيوان ؟ وأيضا - فلا خلاف في أن الإثم عند الله عز وجل في قتل العبد ، كالإثم في قتل الحر ; لأنهما جميعا نفس محرمة ، وداخلان تحت قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم } وليس كذلك قاتل البهيمة .

                                                                                                                                                                                          فوجب على أصولهم - أن نحكم للعبد إذا وجد مقتولا بمثل الحكم في الحر إذا وجد مقتولا ، لا بمثل الحكم في البهيمة - لا سيما في قول الحنفيين الموجبين للقود بين الحر والعبد في العمد - فهذه تسوية بينهما صحيحة ، وكذلك في قول المالكيين ، والشافعيين : الموجبين للكفارة في قتل العبد خطأ ، كما يوجبونها في قتل الحر خطأ بخلاف قتل البهيمة خطأ ؟ فبطل كل ما شغبوا به ، وصح أن القسامة واجبة في العبد كما هي في الحر من طريق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طريق القياس .

                                                                                                                                                                                          وأما قول من ألزم قيمة العبد من وجد بين أظهرهم دون قسامة ، فقول لا يؤيده [ ص: 320 ] قرآن ولا سنة ، ولا إجماع ولا قياس ، ولا نظر - وهو أكل مال بالباطل وإغرام قوم لم يثبت قبلهم حق ؟ قال الله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ولا قسامة في بهيمة وجدت مقتولة ، ولا في شيء وجد من الأموال مفسودا ; لأن البهيمة لا تسمى " قتيلا " في اللغة ، ولا في الشريعة ، وإنما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقسامة في القتيل ، فلا يحل تعدي حكمه { ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه } ، { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } والأموال محرمة إلا بنص ، أو إجماع ؟ فالواجب في البهيمة - توجد مقتولة أو تتلف - وفي الأموال كلها : ما أوجبه الله تعالى على لسان رسوله - عليه السلام - إذ يقول { بينتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك } .

                                                                                                                                                                                          فالواجب في ذلك إن ادعى صاحب البهيمة توجد مقتولة أو صاحب المال إتلاف ماله على أحد أن يكلفه البينة ؟ فإن أتى بها قضى له بها ، وإن لم يأت بها حلف المدعى عليه ولا بد ، ولا ضمان في ذلك إلا ببينة أو إقرار - وهذا حكم كل دعوى في دم ، أو مال ، أو غير ذلك ، حاشا القتيل يوجد ، ففيه القسامة كما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          واختلف الناس في الذمي يوجد قتيلا ؟ فقالت طائفة : لا قسامة فيه - ورأى أبو حنيفة فيه القسامة .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رحمه الله : والقول فيه كما قلنا في العبد ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان إنما حكم بالقسامة في مسلم ادعى على يهود خيبر فلم يقل عليه الصلاة والسلام : إنما حكمت بها ، لأنه مسلم ادعى على يهودي ؟ فلا يجوز أن يقول عليه الصلاة والسلام ما لم يقله ، لكنه - عليه السلام - حكم بها في قتيل وجد ، ولم يخص عليه السلام حالا من حال ، والذمي قتيل ، فالقسامة فيه واجبة إذا ادعاها أولياؤه على ذمي أو ذميين ; لأنه إن ادعوها على مسلم - فحتى لو صح ما ادعوه بالبينة - فلا قود فيه ولا دية ، ولكن إن أرادوا أن يقسموا ويوديه الإمام ، فذلك لهم ; لما ذكرنا .

                                                                                                                                                                                          وقد اتفق القائلون بالقسامة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإن كان - حكم بها في مسلم ادعى على يهود ؟ فإن الحكم بها واجب في مسلم ادعى - على مسلمين ، وهذه غير الحال التي حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسلم ادعى بالقسامة على أصولهم ، ولا [ ص: 321 ] فرق بين الحكم بها في مسلم على مسلمين ، وبين الحكم بها في ذمي على ذميين أو على مسلمين ; لعموم حكمه - عليه السلام - وإنه لم يخص - عليه السلام - صفة من صفة - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية