الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
ولو أقر المدبر لرجل بدين ألف درهم وذكر أنه كان عليه قبل التدبير فصدقه صاحبه أو قال كان بعد التدبير فذلك سواء ويسعى له المدبر مع غرمائه ; لأنه باق على إذنه فيما يلزمه بإقراره بمنزلة .

[ ص: 58 ] ما يلزمه بالتجارة فما سعى فيه من شيء اشتركوا فيه ولا يصدق المدبر على أن يدخل هذا في القيمة التي كانت وجبت للأولين على المولى ; لأنه في إسناد الإقرار إلى ما قبل التدبير متهم في حقهم فإنه لا يملك إثبات المزاحمة له معهم بطريق الإنشاء ولو صدقه المولى في ذلك وأقر أنه كان قبل التدبير واختار هذا الغريم اتباع المولى فإن كان المولى دفع إلى الغريمين اللذين اختارا ضمانه ثلثي القيمة بقضاء القاضي دفع إلى هذا المقر له سدس القيمة وهو نصف ما بقي عليه ; لأن تصديق المولى معتبر في حقه غير معتبر في حق الأولين ، وهو يزعم أن الأولين حقهما في نصف القيمة ، وأن عليهما رد الزيادة على ذلك ولكنه غير مصدق في استرداد شيء منهما إلا أن ما دفعه بقضاء القاضي لا يكون مضمونا فيجعل ذلك كالتاوي وما بقي بزعمه بين الآخرين نصفين إلا أن الذي اختار السعاية يسلم للمولى حصته من ذلك فيدفع إلى المقر له مقدار حقه من ذلك وهو مقدار نصف ما بقي عليه بزعمه ، ثم اتبع هذا الغريم المدبر بثلث دينه فيسعى له فيه ; لأنه تمام حقه في ربع القيمة ، وإنما سلم له سدس القيمة ، وذلك ثلثا حقه ولو لم يسلم له شيء من القيمة كان له أن يستسعي العبد في جميع دينه فكذلك يستسعيه في ثلث دينه حين لم يسلم له ثلث نصيبه من القيمة اعتبارا للبعض بالكل ولا يبطل اختياره ضمان المولى حق استسعائه في هذا القدر ; لأن اختياره ضمان المولى معتبر فيما وصل إليه دون ما لا يصل إليه ، والواصل إليه ثلثا نصيبه من قيمته فلا يعتبر ذلك الاختيار في إبطال حقه في السعاية في الثلث الباقي .

وإن كان دفع الثلثين بغير قضاء قاض غرم للمقر له ربع جميع القيمة ; لأن المولى مقر أن حقه في ربع جميع القيمة ، وما دفع إلى الأولين زيادة على حقهما ههنا محسوب عليه في حق المقر له ; لأنه دفعه باختياره فلهذا غرم له جميع نصيبه وهو ربع القيمة ، ثم لا يبيع المقر له المدبر بشيء من دينه حتى يعتق ; لأنه وصل إليه كمال حقه من بدل الرقبة قال .

( ألا ترى ) أن غرماءه الثلاثة الأولين لو اختاروا ضمان المولى فضمنوه القيمة فدفعها إليهم بقضاء ، ثم ادعى آخر على المدبر دينا ألف درهم قبل التدبير وصدقه المدبر ، والمولى في ذلك فلا سبيل لهذا الغريم على تلك القيمة ولا على المولى ولا يبطل اختياره ضمان المولى حقه في سعاية العبد بخلاف ما إذا كان دفع القيمة إلى الأولين بغير قضاء قاض فإنه يغرم للدافع كمال حصته وهو ربع القيمة ولو لم يكن المولى دبر عبده ولكنه أعتقه وهو موسر أو معسر فهو سواء ، والغرماء بالخيار إن شاءوا اتبعوا المولى بالقيمة ; لأنه أتلف حقهم في ماليته بالإعتاق وضمان الإتلاف لا يختلف باليسار ، والإعسار فإذا اتبعوه .

[ ص: 59 ] بالقيمة أخذا العبد بما بقي من دينهم ; لأن كسبه بعد العتق خالص حقه ، والباقي من الدين ثابت في ذمته فعليه قضاؤه من ملكه بخلاف التدبير فإن كسبه بعد التدبير مال المولى ، وقد ضمن المولى لهم بدل الرقبة فلا يبقى لهم سبيل على شيء من ملكه بعد ذلك حتى يعتق ، وإن شاءوا أخذوا جميع دينهم من العبد وأبرءوا المولى ; لأن ضمان القيمة على المتولي خالص حقهم وهو محتمل للإسقاط فيسقط بإسقاطهم ويبقى أصل ديونهم على العبد وقد عتق فيتبعوه بجميع ذلك ، وإن اختاروا اتباع العبد بدينهم ولم يبرئوا المولى من شيء لم يكن هذا براءة منهم للمولى ; لأن المولى في مقدار القيمة محتمل لهم عن العبد بمنزلة الكفيل ومطالبة الأصيل بالدين لا توجب براءة الكفيل بدون الإبراء وكذلك لو اختاروا ضمان المولى كان لهم أن يتبعوا العبد بجميع دينهم إذا لم يقبضوا من المولى شيئا ; لأن اختيارهم تضمين المولى بمنزلة مطالبة الكفيل بالدين وذلك غير مبرئ للأصيل بخلاف التدبير فهناك حقهم أحد شيئين إما القيمة على المولى أو استيفاء الدين من كسبه على ملك المولى فاختيارهم أحد الأمرين يوجب براءة الآخر وههنا قد ثبت حقهم في الأمرين جميعا لتقرر سببهما في مطالبة المعتق بجميع الدين ; لأنه في ذمته ، وفي مطالبة المولى بالقيمة ; لأنه متحمل لذلك القدر ( ألا ترى ) أنهم إذا أخذوا القيمة من المولى كان لهم أن يتبعوا العبد ببقية دينهم فلهذا لا يكون اختيارهم تضمين أحدهما إبراء للآخر .

ولو اختار بعض الغرماء اتباع المولى وأبرءوا المولى من أن يكون يتبعه بشيء من القيمة لم يكن لهم بعد ذلك أن يتبعوه بشيء لصحة الإبراء منهم له عن ذلك في حقهم وتكون القيمة كلها لأصحاب الدين الذين اختاروا تضمين المولى ; لأن النقصان كان لمزاحمة الآخرين وقد زال ذلك بالإبراء فالتحق بما لو لم يكن إلا دينهم وهذا بخلاف التدبير فهناك مزاحمة الذين اختاروا استسعاء العبد لم ينعدم في حق المولى ; لأن سعايته ملك المولى فلهذا لا يدفع إلى الذين اختاروا ضمانه ; لأن حصتهم من القيمة وهنا مزاحمة الذين أبرءوا المولى قد انعدمت في حقه من كل وجه ; لأنهم يأخذون دينهم من سعاية هي خالص ملك المعتق لا حق للمولى فيه فلهذا لزمه دفع جميع القيمة إلى الذين اختاروا تضمينه ولهم الخيار كما بينا فإن آخذوا المولى لم يرجع على العبد بشيء ; لأنه ضامن لإتلافه محل حقهم أو ; لأنه متحمل عن العبد ولم يستوجب بهذا التحمل شيئا على العبد ، وإن آخذوا العبد لم يرجع على المولى بشيء ; لأنه أصيل قضى دينه بملكه وما أخذ واحد منهم من القيمة التي على المولى اشترك فيها جميع من اختار [ ص: 60 ] ضمان المولى ; لأن وجوب القيمة لهم على المولى بسبب واحد ولأن القيمة كالثمن لو بيعت الرقبة في ديونهم وما أخذ واحد من الغرماء من العبد بعد عتقه فهو له خاصة لا يشاركه فيه الغرماء ; لأنه حر ودين الحر في ذمته لا تعلق له بكسبه ، وإنما وجب دين كل واحد منهم في ذمته بسبب على حدة بخلاف التدبير فإنه بعد التدبير مملوك ، والدين في ذمة المملوك يكون شاغلا لكسبه فلهذا إذا خص أحدهم بقضاء الدين دون أصحابه لم يسلم ذلك له .

ولو لحق العبد المأذون دين كبير فأعتقه المولى وأخذ ما في يده من المال فاستهلكه ، ثم اختار الغرماء اتباع العبد وأخذوا منه الدين رجع العبد على المولى في المال الذي أخذ منه بما أداه من الدين وضمنه ذلك ; لأن كسبه إنما كان يسلم للمولى بشرط براءته عن الدين ولم يوجد وهو غير متبرع فيما أدى من الدين من خالص ملكه بعد العتق بل هو مجبر على ذلك فيكون له أن يرجع على المولى فيما استهلكه من كسبه بذلك المقدار ، وإن كان قائما في يد المولى اتبعه العبد حتى يستوفي منه مقدار ما أدى وما فضل منه فهو للمولى ، وكذلك لو لم يوف العبد الدين ولكن الغرماء أبرءوه منه لم يرجع على المولى بشيء من ذلك المال ; لأنه كان اكتسبه في حال رقه ، وقد فرغ من دينه فيكون سالما للمولى .

التالي السابق


الخدمات العلمية