الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  3998 256 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : أن فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم [ ص: 258 ] في هذا المال ، وإني والله لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته ، فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر فقال عمر : لا والله لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما عسيتهم أن يفعلوا بي والله لآتينهم ، فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي فقال : إنا قد عرفنا فضلك ، وما أعطاك الله ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبا حتى فاضت عينا أبي بكر ، فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته ، فقال علي لأبي بكر : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة ، وعذره بالذي اعتذر إليه ، ثم استغفر وتشهد علي فعظم حق أبي بكر ، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ولا إنكارا للذي فضله الله به ، ولكنا كنا نرى لنا في هذا الأمر نصيبا ، فاستبد علينا ، فوجدنا في أنفسنا ، فسر بذلك المسلمون ، وقالوا : أصبت ، وكان المسلمون إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة : لا يبعد أن تؤخذ من قوله : " من خمس خيبر " ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعقيل بضم العين ابن خالد الأيلي ، والحديث مضى في باب فرض الخمس ، ولكن بينهما تفاوت في المتن بزيادة ونقصان .

                                                                                                                                                                                  قوله : " مما أفاء الله عليه " أي : مما أعطاه الله من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد ، وأصله من الفيء ، وهو الرجوع يقال : فاء يفيء فيئة وفيوءا ، كأنه كان في الأصل لهم فرجع إليهم ، وأفاء ثلاثي مزيد فيه ، قوله : " بالمدينة " وذلك من نحو أرض بني النضير حين أجلاهم ، ومما صالح أهل فدك على نصف أرضها ، وكان النصف له ، وما كان له أيضا من أرض خيبر ، لكنه ما استأثر بها ، بل كان ينفقها على أهله والمسلمين ، فصارت بعده صدقة حرم التملك فيها ، قوله : " فأبى أبو بكر " أي : امتنع ، قوله : " فوجدت " أي : غضبت من الموجدة ، وهو الغضب ، وكان ذلك أمرا حصل على مقتضى البشرية ، ثم سكن بعد ذلك ، والحديث كان مؤولا عندها بما فضل عن ضرورات معاش الورثة ، قوله : " فهجرته " أي : هجرت فاطمة أبا بكر رضي الله تعالى عنهما ، ومعنى هجرانها انقباضها عن لقائه ، وعدم الانبساط لا الهجران المحرم من ترك السلام ونحوه ، قوله : " وعاشت " أي : فاطمة بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ستة أشهر ، هذا هو الصحيح ، وقيل : عاشت بعده سبعين يوما ، وقيل ثلاثة أشهر ، وقيل شهرين ، وقيل ثمانية أشهر ، وقال البيهقي قوله : " وعاشت " إلى آخره مدرج ، وذلك أنه وقع عند مسلم من طريق أخرى عن الزهري .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 259 ] فذكر الحديث وقال في آخره : قلت للزهري : كم عاشت فاطمة بعده ؟ قال : ستة أشهر ، قوله : " ليلا " أي : في الليل ، وذلك بوصية منها لإرادة الزيادة في التستر ، فإن قلت : روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث جابر في النهي عن الدفن ليلا قلت : هذا محمول على حال الاختيار ; لأن في بعضه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ، قوله : " ولم يؤذن بها أبا بكر " أي : ولم يعلم بوفاتها أبا بكر ، قوله : " وصلى عليها " أي : صلى علي رضي الله تعالى عنه على فاطمة ، وروى ابن سعد من طريق عمرة بنت عبد الرحمن : أن العباس صلى عليها ، قوله : " حياة فاطمة " لأنهم كانوا يعذرونه عن ترك المبايعة لاشتغاله بها ، وتسلية خاطرها من قرب عهد مفارقة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : " تلك الأشهر " وهي الأشهر الستة ، وقال المازري : العذر لعلي رضي الله تعالى عنه في تخلفه مع ما اعتذر هو به ; أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من آحاد أهل الحل والعقد ، ولا يجب الاستيعاب ، ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده ، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بأن لا يخالفه ولا يشق العصا عليه ، وهذا كان حال علي رضي الله تعالى عنه ، ولم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، قوله : " كراهية لمحضر عمر " أي : لأجل الكراهة لحضور عمر رضي الله تعالى عنه ، والمحضر مصدر ميمي بمعنى الحضور ، ويروى كراهية ليحضر عمر ، أي : لأن يحضر ، وذلك لأن حضوره كان يوجب كثرة المعاتبة والمعادلة ، فقصدوا التخفيف لئلا يفضي إلى خلاف ما قصدوه من المصافاة ، قوله : " فقال عمر : لا والله ، لا تدخل عليهم وحدك " لأنه توهم أنهم لا يعظمونه حق التعظيم ، وأما توهمه ما لا يليق بهم فحاشاه وحاشاهم من ذلك ، قوله : " وما عسيتهم أن يفعلوا " بكسر السين وفتحها ، أي : ما رجوتهم أن يفعلوا ، وكلمة " ما " استفهامية ، وعسى استعمل استعمال الرجاء ، فلهذا اتصل به ضمير المفعول ، والغرض أنهم لا يفعلون شيئا لا يليق بهم ، وقال ابن مالك : استعمل عسى استعمال حسب ، وكان حقه أن يكون عاريا من أن ، ولكن جيء به لئلا تخرج عسى بالكلية عن مقتضاها ، ولأن أن قد تسد بصلتها مسد مفعوليه ، فلا يستبعد مجيئها بعد المفعول الأول سادة مسد ثاني المفعولين ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات وما عساهم أن يفعلوا بي ، قوله : " ولم ننفس " بفتح النون الأولى ، وسكون الثانية ، وفتح الفاء ، أي : لم نحسدك على الخلافة يقال : نفست بكسر الفاء أنفس بفتحها نفاسة ، قوله : " استبددت " من الاستبداد ، وهو الاستقلال بالشيء ، ويروى استبدت بدال واحدة ، وهو بمعناه وهذا مثل قوله : فظلتم تفكهون أي : فظللتم ، قوله : " بالأمر ، أي : بأمر الخلافة ، وكنا نرى بضم النون وفتحها ، قوله : " لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم " أي : لأجل قرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قوله : " شجر " أي : وقع من الاختلاف والتنازع ، قوله : " فلم آل " بمد الهمزة ، وضم اللام ، أي : فلم أقصر ، قوله : " العشية " يجوز فيه النصب على الظرفية ، والرفع على أنه خبر المبتدأ ، وهو ، قوله : " موعدك " والعشية بعد الزوال ، قوله : " رقي " بكسر القاف ، أي : علا ، قوله : " وعذره " أي : قبل عذره ، وهو فعل ماض ، هذا رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : " وعذره " بضم العين ، وسكون الذال ، وبالنصب عطفا على قوله : " وتخلفه " أي : وذكر عذره أيضا ، قوله : " في هذا الأمر " أي : الخلافة ، قوله : " الأمر بالمعروف " أي : موافقة سائر الصحابة بالمبايعة للخلافة .




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية