الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر أمر القرامطة ، وانهزام العباس الغنوي منهم

في هذه السنة ، في ربيع الآخر ، عظم أمر القرامطة بالبحرين ، وأغاروا على نواحي هجر ، وقرب بعضهم من نواحي البصرة ، فكتب أحمد الواثقي يسأل المدد ، فسير إليه سميريات فيها ثلاثمائة رجل ، وأمر المعتضد باختيار رجل ينفذه إلى البصرة ، وعزل العباس بن عمرو الغنوي عن بلاد فارس ، وأقطعه اليمامة والبحرين ، وأمره بمحاربة القرامطة وضم إليه زهاء ألفي رجل ، فسار إلى البصرة ، واجتمع إليه جمع كثير من المتطوعة والجند ، والخدم .

ثم سار منها إلى أبي سعيد الجنابي ، فلقوه مساء ، وتناوشوا القتال ، وحجز بينهم [ ص: 510 ] الليل ، فلما كان الليل انصرف عن العباس من كان معه من أعراب بني ضبة ، وكانوا ثلاثمائة ، إلى البصرة ، وتبعهم مطوعة البصرة ، فلما أصبح العباس باكر الحرب ، فاقتتلوا قتالا شديدا .

ثم حمل نجاح غلام أحمد بن عيسى بن الشيخ من ميسرة العباس في مائة رجل على ميمنة أبي سعيد ، فوغلوا فيهم ، فقتلوا عن آخرهم ، وحمل الجنابي ومن معه على أصحاب العباس ، فانهزموا وأسر العباس ، واحتوى الجنابي على ما كان في عسكره ، فلما كان من الغد أحضر الجنابي الأسرى فقتلهم جميعا وحرقهم ، وكانت الوقعة آخر شعبان .

ثم سار الجنابي إلى هجر بعد الوقعة ، فدخلها وأمن أهلها ، وانصرف من سلم من المنهزمين ، وهم قليل نحو البصرة بغير زاد ، فخرج إليهم من البصرة نحو أربعمائة رجل على الرواحل ، ومعهم الطعام ، والكسوة والماء ، فلقوا بها المنهزمين ، فخرج عليهم بنو أسد ، وأخذوا الرواحل وما عليها ، وقتلوا من سلم من المعركة ، فاضطربت البصرة لذلك ، وعزم أهلها على الانتقال منها ، فمنعهم الواثقي .

وبقي العباس عند الجنابي أياما ثم أطلقه ، وقال له : امض إلى صاحبك ، وعرفه ما رأيت ، وحمله على رواحل ، فوصل إلى بعض السواحل وركب البحر فوافى الأبلة ، ثم سار منها إلى بغداذ فوصلها في رمضان ، فدخل على المعتضد فخلع عليه .

بلغني أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال : عجائب الدنيا ثلاث : جيش العباس بن عمرو يؤسر وحده ، وينجو وحده ، ويقتل جميع جيشه ; وجيش عمرو بن الصفار ( يؤسر وحده ، ويسلم ) جميع جيشه ; وأنا أنزل في بيتي ، وتولي ابني أبو العباس الجسرين ببغداذ .

ولما أطلق أبو سعيد العباس أعطاه درجا ملصقا وقال له : أوصله إلى المعتضد فإن لي فيه أسرارا . فلما دخل العباس على المعتضد ( عاتبه المعتضد ) فأوصل إليه العباس الكتاب ، فقال : والله ليس فيه شيء ، وإنما أراد أن يعلمني أني أنفذتك إليه في العدد الكثير ، فردك فردا ; وفتح الكتاب وإذا ليس فيه شيء .

[ ص: 511 ] وفيها ، في ذي القعدة أوقع بدر غلام الطائي القرامطة ، على غرة منهم ، بنواحي ميسان ، وغيرها ، وقتل منهم مقتلة ، ثم تركهم خوفا أن تخرب السواد ، وكانوا فلاحية ، وطلب رؤساءهم فقتل من ظفر به منهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية