الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل أتعايش مع وساوسي أم لا بد من علاج دوائي؟

السؤال

بدايةً: أشكر القائمين علي هذا الموقع الرائع, وأسال الله أن يبارك في حضراتكم ويجعل ما تقومون به في ميزان حسناتكم... آمين.

ثانيا: شكر خاص إلى الدكتور محمد عبد العليم، ويعلم الله كم أحبك، أسأل الله أن يبارك في "حضرتك", ويسعد أيامك كما تسعدنا بكلماتك ونصائحك المسكونة دائماً بالعلم والحب والدفئ والإخلاص, حقيقة -يا سيدي الفاضل- لن أبالغ ولن أجامل إذا قلت لـ"حضرتك" أني لم أقابل طبيباً حتى الآن فيه هذه الشمائل.
_________
دكتور محمد: أنا صاحب الاستشاره رقم (2211792) وأريد أن أسألك ثلاثة أسئلة:
(1) كما تعلم سيدي أعاني من وسواس قهري، وانقطعت عن العلاج منذ سنين، وعشت مع هذه الوساوس السخيفة والمؤلمة بدون أدوية ولا علاج سلوكي، وكنت أستجيب لها حتى يزول القلق والتوتر, ومنذ شهرين تعرضت لموقف هزني وأصابني بالهلع والتوتر والقلق بسبب الوساوس الناتجة عن هذا الموقف الصعب, وزرت طبيبا وأعطاني أدوية بروزاك وأنافرانيل, ولكني لم آخذ تلك الأدوية؛ لأن عندي انطباعا سيئا عن الأدوية من تجربتي الأولى معها, والآن بعد مرور شهرين على هذا الموقف تحسنت -الحمد لله- بدون أدوية, وإن كان عندما يحدث مثير يذكرني بهذا الموقف الصعب أصاب بالقلق وبعض الوساوس البسيطة, ولكن بذكر الله وبالعلاج السلوكي الذي تعلمته منك أتغلب على تلك الوساوس, والآن يا سيدي بسبب هذا الموقف الصعب الذي حدث لي أخشى أن يرجع التوتر والقلق الشديدان مرة أخرى لي بسبب هذا الموقف, فأنا أتعايش وأتأقلم مع قليل من التوتر وقليل من الوسواس وقليل من القلق، أما هذا الموقف الصعب فوسواسه وقلقه يهزني هزاً عنيفاً.

سؤالي هنا: هل أتعايش مع وساوسي كما كنت سابقا بدون أدوية وأضيف إليها ما تعلمته منك من طرق العلاج السلوكي، وأنسى تماما الخوف من عودة قلق ووساوس هذا الموقف الصعب, وأقنع نفسي، حتى وإن رجع أستطيع مقاومته بالتجاهل والاحتقار أم أنه يلزمني علاج دوائي لأتخلص وأشفى نهائيا من كل الوسواس بما فيها وسواس وقلق الموقف الصعب ومن كل أعراض مرض الوسواس القهري عموماً، مثل غسل الأيدي كثيرا، والمشقة التي أجدها في الغُسل عندما أصبح محتلما، وترددي كثيرا على أبواب البيت للتأكد من غلقها، وتكرار بعض الجمل والعبارات البديهية الخاصة بشؤون الحياة وغيرها من الوساوس المتجددة؟

وهنا أتمنى من حضرتك أن تكتب لي أسماء الأدوية التي تساعدني على الشفاء من مرض الوسواس؟ وكم الجرعة التي يلزم أخذها يوميا؟ ومتى أوقف تلك الجرعة؟

(2) كنت تقدمت للزواج بفتاة ووافق أهل الفتاة، ولكن لم أستطع أن أكمل بسبب خوفي وقلقي من الزواج، وزادت الوساوس, ومن ثم قررت أن لا أكمل مشروع الزواج حتى أرتاح من تلك الوساوس, والآن عندي رغبة أن أتزوج ولكن أخشى أن أستجيب لوساوسي ولا أستطيع أن أكمل مرة أخرى، وإن أكملت قد يحدث طلاق.

سؤالي هنا: هل يفضل أن أتعالج بالأدوية أولا من الوسواس القهري حتى لا أفشل مرة أخرى في مشروع الزواج, وحتى أعيش بسلام نفسي مع زوجتي، أم أنه من الممكن أن أتعالج بالأدوية وفي نفس الوقت أمشي في مشوار الزواج، أم أظل على حالتي الآن وأتعايش وأتأقلم مع الوساوس كما هي عادتي، بالإضافة إلى العلاج السلوكي فقط وأمشي في مشروع الزواج وإن حصل تدهور خلال الخطوبة أو بعد الزواج في تلك الحالة يلزمني العلاج؟

(3) لماذا لا أشعر مثل أصدقائي بالحنين إلى تكوين أسرة؟ ولماذا الخوف الشديد من الزوج ومسؤولياته؟ ولماذا لا أثق في المرأة ودائما أراها خائنة وبأقل كلمة تنجذب إلى الرجل حتى ولو كانت صالحة ومتزوجة؛ فأنا أرى الخيانة تجري في دمائها؟ ولماذا لا أشعر بأهمية الزواج؟ وأحيانا أيضا تأتيني رغبه في الزواج.

ختاماً: أتمنى من حضرتك إن رأيت أنه يلزمني العلاج لكل ما ذكرته عن حالتي أن تكتب لي أسماء الأدوية وجرعتها اليومية، ومتى أوقفها؟ وذلك لأني أثق في حضرتك كثيرا، هذا فضلا عن أني لا أريد أن أذهب إلى الأطباء مرة أخرى.

بارك الله فيك وجزاك الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الغفور حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فأشكرك على كلماتك الطيبة، ونسأل الله تعالى أن ينفع بنا، فجزاك الله خيرًا، ومن قال لأخيه جزاك الله خيرًا فقد أجزل في الثناء.

أيها الفاضل الكريم: أنا سعيد جدًّا أن أعرف أنك سخرت آلياتك السلوكية المقاومة للوساوس بصورة ممتازة جدًّا، واستطعتَ أن تسخف وتحقر هذه الوساوس وبدرجةٍ كبيرة، هذا أمرُ طيب وجميل، ولا شك أن هذا أحد العلاجات الجوهرية للوساوس، لكن أنا قناعاتي أن الأدوية مهمة ومهمة جدًّا، خاصة أن الأبحاث أثبتت وبما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الوساوس أحد مسبباتها أو العوامل التي تساعد على استمراريتها هو اضطراب ما في كيمياء الدماغ فيما يتعلق بما يعرف بالموصلات العصبية، ومادة السيروتونين على وجه الخصوص.

وهنالك ظاهرة لا بد أن ألفت الانتباه إليها أشارت إليها الأبحاث الأخيرة، وذُكرت في التشخيص الخامس للأمراض النفسية والذي ظهر قبل سبعة أشهر، هذه الظاهرة هي ما يُسمى بالوساوس القهرية مع فقد الاستبصار، يعني أن مقاومة الإنسان للوسواس قد تقل جدًّا، ويحاول أن يتعايش معه، وبعد ذلك تظهر له قناعات أن هذا الوسواس حقيقي، وهو ليس وسوسة كما يعتقد الناس، إنما هو أمر واقع بالفعل، هذا نوع من عدم الاستبصار، وهذا النوع من الوساوس لا شك أنه خطير.

لذا نقول: إن حسم الأمور وبترها عن طريق تناول الدواء مع الاستمرارية في المناهج السلوكية؛ لأن التطبيقات السلوكية هي التي تمنع الانتكاسة، وهذا أمر جيد، فأنا أرى أن الدواء مهم، ولا أريدك أن تعيش تحت تهديد وهموم هذا المرض من خلال القلق التوقعي، أنت سوف تفتش نفسك كثيرًا هل ما زلت تعاني من هذه الأعراض أم لا، وهذا في حد ذاته يسبب ضغطًا كبيرًا على الإنسان.

فالدواء هنا مهم ومهم جدًّا، لأنه يزيل بالفعل الشعور بأنك مطارد ومستهدف من قبل الوساوس.

الأدوية كثيرة وكلها فاعلة، وربما يكون عقار (فافرين) ويسمى علميًا باسم (فلوفكسمين) هو الأنسب في حالتك، وهو دواء بسيط جدًّا، وممتاز جدًّا، وجرعة البداية خمسون مليجرامًا (مثلاً) لمدة أسبوعين، بعدها ترفع إلى مئة مليجرام لمدة شهر، ثم ترفع إلى مائتي مليجرام ليلاً لمدة ستة أشهر (مثلاً) وهذه جرعة علاجية معقولة، بعد ذلك يمكنك أن تخفضها إلى الجرعة الوقائية، وهي مئة مليجرام ليلاً، تستمر عليها لمدة سنتين أو ثلاث، لا بأس في ذلك أبدًا.

والفافرين يتميز أنه ليس له سلبيات حول الأداء الجنسي، وقطعًا أنا أشجعك على الزواج تمامًا، وأرى أن استمرارك على الدواء مهمٌّ ومطلوب، حتى لا تعيش تحت هموم الوساوس كما ذكرت لك.

بالنسبة لعدم شعورك بالتشوق لإنشاء أسرة: هذا ناتجٌ من الوسواس، الوسواس نفسه بصورةٍ لا شعورية يثبط بعض مشاعرك، يهز ثقتك في نفسك؛ لذا يجب ألا نترك له مجالاً، وكل الفراغات الذهنية والوجدانية يجب أن نملأها بأفكارٍ ومشاعر أخرى.

بالنسبة لشعورك حول خيانة المرأة: أعتقد أن هذا شك وسواسي أيضًا، والوساوس قد تأتي للإنسان بمشاعر تجعله يلجأ إلى التعميم في بعض الأحيان، نعم الخيانة الزوجية واقعة وموجودة، وفكرتك التعميمية نشأت من الوساوس.

أسأل الله لك الشفاء والعافية والتوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً