الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مضايقة أهلي وأنا صغيرة سببت لي الخوف من المواجهة عند الكبر!

السؤال

السلام عليكم

مشكلتي أن أهلي يضايقونني، ولا أعرف أعبر عن حالي وأواجههم، وأفضل الكتمان وأنعزل عنهم لأيام ولا أراهم حتى تذهب عني عصبيتي، وهذا الشيء سبب لي مشكلةً معهم، إلا أنني هذه الفترة أتعامل مع من حولي طبيعياً.

علماً أنني اتبعت هذا الأسلوب؛ لأني عندما كنت أتكلم وأنا صغير كانت المشكلة تكبر أكثر؛ لأجل هذا صرت أفضل عدم النقاش، كما أن هذا الشيء قلل من ثقتي بنفسي، أريد أن أتغير وأواجه ولا أخاف؛ لأن جسمي يرجف.

أريد أن أتغير وأواجه ولا أخاف!

وشكرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Sadeel حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك -أختنا الكريمة- في موقعك إسلام ويب، وإنا نسأل الله الكريم أن يبارك فيك وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وأن يرضيك به، وبعد:

غالباً ما تقود المقدمات الخاطئة إلى نتائج خاطئة، واسمحي لنا أن نقول لك ذلك، وستفهمين بعد قليل لماذا قلناه.

ثانياً: الانطوائية سلوكٌ طبيعيٌ لا يدل على ضعف الشخصية، كما لا يدل على قوتها، فقد نجد قوي الشخصية حاد الرأي ينزوي أحياناً تجنباً لمشاكل أكبر، وقد نجد العكس، والحاصل معك -أختنا الكريمة- لا علاقة له بضعف الشخصية، ولكن مهابة أهلك في صدرك وخوفك منهم أو خوفك عليهم هو ما ولد عندك شعوراً متناقضاً بين الانتصار للنفس الذي يعقبه عقوقٌ أو تخاصمٌ، وبين الانزواء الذي يعقبه راحة بعد قليل وعدم الدخول في التخاصم أو العقوق، وقد اخترت الأخيرة وهي الأسلم والأعقل والأحكم.

ثالثاً: أوهمك الشيطان بأن هذا مرده إلى ضعف الشخصية، وقد تناسيت أنك في عملك ومع غير أهلك طبيعيةٌ تماماً، إذا فليست المشكلة في ضعف الشخصية، ولكن في شخصية المتعامل معه.

رابعاً: حتى تعرفي صفات الشخصية الضعيفة دعينا نعطيك بعض ملامحها:
- عدم القدرة على اتخاذ أي قرار حتى في الأمور الشخصية أو العملية.
- الخوف والخجل من الكلام أمام الآخرين جميعاً (الأهل وغيرهم).
- التبعية للأقوى في الرأي أو الفكر أو الحركات، ولو كان مخالفاً لقناعتك ومبادئك.
- كثرة الشكاوى حتى في الأمور التافهة، واللجوء دائماً للغير، وعدم التفريق بين صحيح القول من سقيمه عند النصيحة.
- تقليد الآخرين في كل حركاتهم ولباسهم وهيئاتهم، حتى لا تكاد لها شخصية تعرف بها.

هذه -أختنا- بعض تلك المظاهر، وهي ليست موجودة فيك، وإن توهمت ذلك، فعلاقتك في محيطك الخارجي متوازنة، وفهمك للصواب والخطأ موجود، وعدم الانسياق خلف الآخرين في كل شيء مفتقد، وعليه فإننا نذهب إلى أنك لست ضعيفة الشخصية، ولكنها المهابة والخوف.

خامساً: الإنسان أمام اتهام الأهل له أو الخطأ في حقه أحد ثلاثة:

1- صاحب الفضل: وهو من يقابل السوء بالإحسان مع العفو عنه، وفي ذلك من الأجور ما لا يعلم قدره إلا الله، وقد يكون سبباً في تحويل الكراهة إلى محبة، قال الله تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ).

وهذا الصنيع تستجلب به معونةُ الله -عز وجل- فقد قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله: إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال صلى الله عليه وسلم: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفّهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك).

ويكفيك أن تعلمي أجر من كظم غيظاً وهو قادر على رد العدوان، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفِذَه دعاه الله على رؤوسِ الخلائق حتى يخيِّرَهُ من أيِّ الحور شاء}. وعن ذلك المعنى يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم (ما نقَصَت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلاَّ عِزًّا، وما تواضَعَ أحدٌ للهِ إلا رفعَه) رواه مسلم، وفي لفظٍ لأحمد: (ما مِن عبدٍ ظُلِمَ بمظلمةٍ فيُغضِي عنها لله إلاَّ أعزَّه الله تعالى بها ونصَره).

2- الإمساك عن العفو والصفح، وتفويض الأمر لله عز وجل.

3- المقاصة: ويعني مقابلة السيئة بمثلها دون تجاوز؛ ومما لا شك فيه أن أعلى المقامات هي العفو والصفح.

وأفضل الثلاثة أولها، وأنت إليها أقرب متى ما صلحت النية واحتسبت الأجر.

وأخيراً: إننا ننصحك بعدم تهويل ما يحدث مع أهلك، والاجتهاد في تفهمهم لا في تفهيمهم، وفي الاقتراب منهم لا في الخوف عليهم أو منهم، واحتساب الأجر مع عدم التفكير في الانتصار للذات.

والاجتهاد في الاقتراب يكون بالحوار مع الهدوء والطمأنينة، فلن تجدي أحداً يحبك أكثر منهم، مع المحافظة على أذكارك وصلواتك وأورادك، وإننا على ثقة أنك ستتجاوزين هذا العارض النفسي قريباً بإذن الله.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً