الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإصابة بالقلق وتزايد دقات القلب

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

قبل عشر سنوات ذهبت لمستشفى خاص لتوقيع ورقة كشف تخص الجامعة، فلما وضعت (الطبيبة) سماعة القلب على قلبي قالت لديك مشكلة بالقلب، بعدها توترت، وذهبت بعدها إلى المستشفى الجامعي، فقال: ما بك شيء، اذهب، ولكني لم أرتح، فذهبت إلى مستشفى خاص، وأجريت فحصاً للقلب، ولله الحمد الوضع بخير.

أنا من بعد كلام الطبيبة دقات قلبي تتزايد وأخاف أن أدخل قاعة الدراسة، وجسمي يرتعش ولا أسيطر على نفسي، ومع التعرق صرت أخاف الدراسة وتجمع الناس، وأخاف المرتفعات، وأخاف أحياناً أمشي بالسيارة، إلا إذا كان معي أحد، وأخاف حصول الدوار علي، سواء في الدرج أو اللفت، وأخاف الجسور.

أصبحت أتكلم في الصلاة مع الجماعة، وأخاف أن أصلي مع الجماعة، وأحياناً لا أستطيع أقول التحيات من الخوف، وتركت الجامعة، حاولت ألتحق بكلية التقنية فلم أستطع، ترددت كثيراً للعيادة النفسية والذهاب إليها فلم أستطع.

صحتي قبل عشر سنوات كانت عالية، وكنت متفوقا بدراستي، وأحب الدراسة، ولكن من بعد كلام الطبيبة وأنا في خوف شديد، أسأل اللهم أن يرحمنا، أتمنى أن ترجع حالتي إلى ما قبل عشر سنوات.

علماً بأني متزوج، وليس لدي عمل، فزوجتي هي من تعمل، وحالتي لا يعلم بها إلا الله.. ساعدوني بما وهبكم الله، والشافي هو الله أولاً وآخراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حكيم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنك بدأت قصتك مع هذه الحالة بما ذكرته لك (الطبيبة) من أنك تعاني من علة في القلب، وبعد ذلك اتضح أن هذا الكلام ليس بصحيح، وأنت بفضل الله تعالى تتمتع بصحة جسدية كاملة.

الذي حدث لك بالضبط هو - مثير معين - أدى إلى الخوف، وهذا المثير هو كما ذكرته لك الطبيبة، ويظهر أنه في الأصل لديك استعداد غريزي أو فطري أو تكويني؛ لأن تكون قلقاً وأن تتكون لديك المخاوف في مواقف معينة.

المخاوف التي لديك أخذت عدة أنواع، فهنالك لديك مخاوف من الارتفاعات، ولديك أيضاً درجة من المخاوف الاجتماعية، ولديك أيضاً الخوف من التجمعات ومن التواجد وسط الجماعات، وهذه كلها تأتي تحت تشخيص واحد نسميه بالقلق الخوفي أو خوف القلق، وهو حالة نفسية مكتسبة يكون الإنسان فيها قلقاً وخائفاً في مواقع أو مواقف معينة.

وكما ذكرت لك، الذي أراه أن التكوين النفسي لديك هو الذي جعلك تتفاعل سلبياً مع ما ذكرته لك الطبيبة، وعليك أن تفهم أن حالتك بسيطة بالرغم مما تسببه لك من إزعاج، وإن شاء الله يمكن علاجها تماماً بشيء من الجهد والتفهم، وأول خطوات العلاج هو أن تفهم أن الحالة التي تعاني منها هي مجرد نوع من قلق المخاوف، وليس أكثر من ذلك، وهذه ظاهرة، ولا تعتبر مرضاً نفسياً حقيقيا.

ثانياً: الخوف أيّاً كان نوعه هو حالة مكتسبة، فأنت لم تُولد خائفاً، وبمنطق بسيط ما دام الطبيب قد نفى لك وجود أي علة في القلب، فهذا يجب أن يكون مقنعاً لك؛ لأن الطبيبة - ومع احترامنا لها - هي من الناحية المهنية ليست مؤهلة أبداً لأن تشخص الأمراض أيّاً كان نوعها، إنما دورها هو دور تمريضي وليس أكثر من ذلك، يجب أن تخضع الأمور للنقاش وللمنطق.

كثير من حالات القلق النفسي تؤدي إلى تسارع شديد في ضربات القلب، وفي بعض الأحيان يؤدي القلق إلى عدم انتظام في ضربات القلب، وهذا لا يعد أبداً نوعاً من أمراض القلب، إنما هو تغير فسيولوجي طبيعي مصاحب للقلق النفسي، وربما تكون هذه الطبيبة قد لاحظت تسارعا في ضربات قلبك أو شيئاً من عدم الانتظام في هذه الضربات، ومن ثم ذكرت لك ما ذكرته، والذي أثر عليك سلباً، فأرجو أن تخضع الأمور للنقاش وللعقلانية، وهذا مهم جدّاً.

من الأشياء التي أنصحك بها أيضاً هو أن تجلس مع نفسك جلسة بتركيز وهدوء وتقول لنفسك: ما الذي يجعلني أخاف من المرتفعات؟ هؤلاء الذين يصعدون البنايات الشاهقة هم بشر مثلي، هؤلاء الذين يركبون الطائرات هم بشر مثلي، أخضع الأمور لشيء من المنطق، ولا تقبل هذه الأفكار المشوهة بصورة تلقائية وتجعلها تسيطر عليك ومن ثم تمنعك من أن تواجه مصادر خوفك، والخوف أيها الفاضل الكريم يعالج بالمواجهة والمواجهة والمواجهة، أما التجنب فهو يزيد في المخاوف.

وهنالك نوع من المواجهة نسميه بالمواجهة في الخيال، وأقصد بذلك أن تتخيل أنك في أحد هذه المواقف التي تحس فيها بعدم الارتياح والخوف، فتصور مثلاً أنه قد طُلب منك أن تصلي بالناس في المسجد؛ لأن الناس قد ظنت بك خيراً في حالة غياب الإمام، هذا الأمر قد يحدث، وهو أمر واقعي جدّاً في الحياة.

عش هذا الخيال بقوة، وقل لنفسك: بفضل الله استطعت أن أنجح، وأن أصلي بالناس، وأسأل الله تعالى أن يتقبل مني- عش هذا الخيال، وهذا الخيال يمكن أن يحدث في الواقع.

بالنسبة للمرتفعات، أيضاً قل لنفسك (هب أني قد أصبحت مهندساً معمارياً، فلابد أن أصعد إلى هذه المباني العالية مثل بقية الناس)، وهكذا، ويمكن بعد ذلك أن تنقل نفسك إلى الواقع - إلى التطبيق -مثلاً الخوف من المرتفعات: اذهب إلى أحد البنايات العالية واستعمل المصعد أو الدرج وتسلق إلى الطابق الأول، ثم انظر إلى الأرض، قف لمدة خمسة دقائق، وبعد ذلك ارجع إلى الطابق الأرضي مرة أخرى، ثم اصعد مرة أخرى إلى الطابق الأول، وانظر إلى الأرض لمدة عشر دقائق، وبعد ذلك انتقل إلى الطابق الذي يليه، وهكذا.

هذه التمارين يجب أن تكون يومية بهدف العلاج، والعلماء وجدوا أن الإنسان الذي يعرض نفسه إلى مصدر خوفه سوف يصاب بنوع من القلق والخوف، ولكن بالاستمرارية في المواجهة والإصرار على هذا الموقف سوف يبدأ الخوف في الانحسار حتى ينتهي تماماً.. هذه وسائل علاجية قائمة على مرتكزات علمية وهي مفيدة.

بقي أن أقول لك إنه وبفضل الله تعالى أيضاً توجد علاجات دوائية ممتازة، وأعتقد أن الدواء سوف يساعدك كثيراً في زوال هذا القلق وهذا الخوف، لكن لابد أن تدعمه بالتمارين السلوكية التي ذكرناها لك.

من الأدوية الجيدة والفعالة دواء يعرف تجارياً باسم (زولفت Zoloft) ويسمى أيضاً تجارياً باسم (لسترال Lustral) ويسمى علمياً باسم (سيرترالين Sertraline)، أرجو أن تتحصل عليه وتبدأ في تناوله بجرعة حبة واحدة، وقوة الحبة هي خمسون مليجرام، يفضل تناولها بعد الأكل وفي المساء.

استمر على هذه الجرعة لمدة شهر، ثم بعد ذلك ارفع الجرعة إلى حبتين في اليوم - أي مائة مليجرام - يمكنك أن تتناولها كجرعة واحدة أو بمعدل خمسين مليجرام في الصباح وخمسين مليجراماً في المساء، المهم هو أن تستمر على هذه الجرعة لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك خفض الدواء لحبة واحدة ليلاً لمدة ستة أشهر أخرى، ثم حبة واحدة يوماً بعد يوم لمدة شهر، ثم يمكنك أن تتوقف عن تناول هذا الدواء.

هذا الدواء من الأدوية الممتازة والفعالة، ويعرف أنه ممتاز لعلاج قلق المخاوف، وهو ليس إدمانيا كما ذكرت لك، ولابد أن تذهب وتبحث عن عمل، فالعمل هو من أفضل الوسائل التأهيلية التي تساعد الإنسان في الاستقرار الاجتماعي والاستقرار النفسي.

ولابد أن تجعل لحياتك معنىً، بأن تمارس الرياضة، بأن تتواصل اجتماعياً مع أصدقائك وأرحامك، كن حريصاً على حضور الصلاة في المسجد، وحبذا أيضاً لو انضممت لأحد حلقات القرآن، فهي إن شاء الله من الوسائل الطيبة لعلاج الخوف والقلق والتوتر، وعدم المقدرة على التفاعل الاجتماعي.

ممارسة الرياضة أيضاً مع مجموعة من الأصدقاء فيها خير كثير لك جدّاً، وأرجو أن تفكر إيجابياً وأن تتذكر أنه لديك زوجة ولديك بيت، هذه يا أخي الكريم كلها نعم من نعم الله تعالى.

وختاما أنصحك مرة أخرى بأن تبحث عن عمل، وهذا مهم وضروري، ولا تيأس؛ لأن العمل فيه قيمة علاجية كبيرة، ونشكرك على التواصل مع إسلام ويب.

وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً