الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 3505 ) فَصْل : وَيَصِحُّ الصُّلْحُ عَنْ الْمَجْهُولِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا ، إذَا كَانَ مِمَّا لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ . قَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يُصَالِحُ عَلَى الشَّيْءِ ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْهُ ، لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يُوقِفَهُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا لَا يَدْرِي مَا هُوَ ، وَنَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ ، إذَا اخْتَلَطَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ ، وَطُحِنَا ، فَإِنْ عَرَفَ قِيمَةَ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ وَدَقِيقِ الشَّعِيرِ ، بِيعَ هَذَا ، وَأُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِيمَةَ مَالِهِ ، إلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ وَيَتَحَالَّا . وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى : الصُّلْحُ الْجَائِزُ هُوَ صُلْحُ الزَّوْجَةِ مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي لَا بَيِّنَةَ لَهَا بِهِ ، وَلَا عِلْمَ لَهَا ، وَلَا لِلْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِهِ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الْمُعَامَلَةُ وَالْحِسَابُ الَّذِي قَدْ مَضَى عَلَيْهِ الزَّمَانُ الطَّوِيلُ ، لَا عِلْمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا عَلَيْهِ لِصَاحِبِهِ ، فَيَجُوزُ الصُّلْحُ ، بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ لَا عِلْمَ لَهُ بِقَدْرِهِ ، جَازَ أَنْ يُصَالِحَ عَلَيْهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُ الْحَقِّ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ ، أَوْ لَا عِلْمَ لَهُ . وَيَقُول الْقَابِضُ : إنْ كَانَ لِي عَلَيْك حَقٌّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْهُ . وَيَقُول الدَّافِعُ : إنْ كُنْت أَخَذْت مِنِّي أَكْثَرَ مِنْ حَقِّك فَأَنْتَ مِنْهُ فِي حِلٍّ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَى مَجْهُولٍ ; لِأَنَّهُ فَرْعُ الْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ عَلَى مَجْهُولٍ . وَلَنَا ، مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَوَارِيثَ دُرِسَتْ : { اسْتِهِمَا ، وَتَوَخَّيَا ، وَلْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ } . وَهَذَا صُلْحٌ عَلَى الْمَجْهُولِ . وَلِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ ، فَصَحَّ فِي الْمَجْهُولِ ، كَالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ ، وَلِأَنَّهُ إذَا صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْعِلْمِ ، وَإِمْكَانِ أَدَاءِ الْحَقِّ بِعَيْنِهِ ، فَلَأَنْ يَصِحُّ مَعَ الْجَهْلِ أَوْلَى ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعْلُومًا فَلَهُمَا طَرِيقٌ إلَى التَّخَلُّصِ وَبَرَاءَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ بِدُونِهِ ، وَمَعَ الْجَهْلِ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ أَفْضَى إلَى ضَيَاعِ الْمَالِ ، عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مَالٌ لَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهُ . وَلَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ بَيْعًا ، وَلَا فَرْعَ بَيْعٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ إبْرَاءٌ . وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهُ بَيْعًا ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِدَلِيلِ بَيْعِ أَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ ، وَطَيِّ الْآبَارِ ، وَمَا مَأْكُولُهُ فِي جَوْفِهِ ، وَلَوْ أَتْلَفَ رَجُلٌ صُبْرَةَ طَعَامٍ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا ، فَقَالَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لِمُتْلِفِهِ : بِعْتُك الطَّعَامَ الَّذِي فِي ذِمَّتِك بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ ، أَوْ بِهَذَا الثَّوْبِ . صَحَّ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الصُّلْحِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ ، كَالْمُخْتَصِمِينَ فِي مَوَارِيثَ دَارِسَةٍ ، وَحُقُوقٍ سَالِفَةٍ ، أَوْ عَيْنٍ مِنْ الْمَالِ لَا يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْرَ حَقِّهِ مِنْهَا ، صَحَّ الصُّلْحُ مَعَ الْجَهَالَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى . وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَى تَسْلِيمِهِ ، لَمْ يَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا ; لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ وَاجِبٌ ، وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ ، وَتُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ ، فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ ( 3506 ) فَصْلٌ : فَأَمَّا مَا يُمْكِنُهُمَا مَعْرِفَتُهُ ، كَتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ ، أَوْ يَعْلَمُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ ، وَيَجْهَلُهُ صَاحِبُهُ ، فَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهِ مَعَ الْجَهْلِ . قَالَ أَحْمَدُ : إنْ صُولِحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ ثُمُنِهَا ، لَمْ يَصِحَّ . وَاحْتَجَّ بُقُولِ شُرَيْحٍ : أَيُّمَا امْرَأَةٍ صُولِحَتْ مِنْ ثُمُنِهَا ، لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهَا مَا تَرَكَ زَوْجُهَا ، فَهِيَ الرِّيبَةُ كُلُّهَا . قَالَ : وَإِنْ وَرِثَ قَوْمٌ مَالًا وَدُورًا وَغَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَالُوا لَبَعْضِهِمْ : نُخْرِجُك مِنْ الْمِيرَاثِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ . أَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُشْتَرَى مِنْهَا شَيْءٌ ، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ لَعَلَّهَا تَظُنُّ أَنَّهُ قَلِيلٌ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَثِيرٌ وَلَا يَشْتَرِي حَتَّى تَعْرِفَهُ وَتَعْلَمَ مَا هُوَ ، وَإِنَّمَا يُصَالِحُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى الشَّيْءِ لَا يَعْرِفُهُ ، وَلَا يَدْرِي مَا هُوَ حِسَابُ بَيْنَهُمَا ، فَيُصَالِحُهُ ، أَوْ يَكُونُ رَجُلٌ يَعْلَمُ مَالَهُ عَلَى رَجُلٍ ، وَالْآخَرُ لَا يَعْلَمُهُ فَيُصَالِحُهُ ، فَأَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَمْ يُصَالِحْهُ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَهْضِمَ حَقَّهُ وَيَذْهَبَ بِهِ . وَذَلِكَ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا جَازَ مَعَ الْجَهَالَةِ ، لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لِإِبْرَاءِ الذِّمَمِ ، وَإِزَالَةِ الْخِصَامِ ، فَمَعَ إمْكَانِ الْعِلْمِ لَا حَاجَةَ إلَى الصُّلْحِ مَعَ الْجَهَالَةِ ، فَلَمْ يَصِحَّ كَالْبَيْعِ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية