الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 6374 32 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، قَالَ : فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ ، قَالَ : وَفِيهَا الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : " وَمَنْ وَالَى قَوْمًا " إِلَى قَوْلِهِ : " وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ " ، فَإِنْ قُلْتَ : التَّرْجَمَةُ مُطْلَقَةٌ ، وَالْحَدِيثُ : وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ ، فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا وَالَى بِإِذْنِهِمْ لَا يَأْثَمُ وَلَا يَكُونُ مُتَبَرِّئًا . قُلْتُ : لَيْسَ هَذَا لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ وَإِنَّمَا هُوَ إِيرَادُ الْكَلَامِ عَلَى الْغَالَبِ ، وَقِيلَ : هُوَ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّهُ إِذَا اسْتَأْذَنَ مَوَالِيَهُ فِي ذَلِكَ مَنَعُوهُ . وَجَرِيرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَالْأَعْمَشُ هُوَ سُلَيْمَانُ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ مِنَ الزِّيَادَةِ ابْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيُّ تَيْمُ الرَّبَابِ ، وَلَيْسَ هُوَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقِيلَ : ابْنُ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكِ بْنِ طَارِقٍ التَّيْمِيِّ ، عِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ ، سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ . وَالْحَدِيثُ مَضَى فِي الْحَجِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، وَفِي الْجِزْيَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَكِيعٍ ، وَسَيَجِيءُ فِي الِاعْتِصَامِ عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ . قَوْلُهُ : " غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ " حَالٌ أَوْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ ، وَحَرْفُ الْعَطْفِ مُقَدَّرٌ كَمَا فِي التَّحِيَّاتِ الْمُبَارَكَاتِ الصَّلَوَاتِ ، تَقْدِيرُهُ : وَالصَّلَوَاتُ . قَوْلُهُ : " أَشْيَاءَ " جَمْعُ شَيْءٍ ، وَهُوَ لَا يَنْصَرِفُ . قَالَ الْكِسَائِيُّ : تَرَكُوا صَرْفَهُ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ . قَوْلُهُ : " مِنَ الْجِرَاحَاتِ " أَيْ مِنْ أَحْكَامِ الْجِرَاحَاتِ وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ الدِّيَاتِ ، قَوْلُهُ : " حَرَامٌ " وَيُرْوَى حَرَمٌ ، قَوْلُهُ : " عَيْرٌ " بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ اسْمُ جَبَلٍ بِالْمَدِينَةِ ، قَوْلُهُ : " إِلَى ثَوْرٍ " بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : أَمَّا ثَوْرٌ بِلَفْظِ الْحَيَوَانِ الْمَشْهُورِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانَهُ بَيَاضًا لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ذِكْرَ ثَوْرٍ خَطَأٌ ; إِذْ لَيْسَ فِيالْمَدِينَةِ مَوْضِعٌ يُسَمَّى ثَوْرًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِلَفْظِ كَذَا ، وَقِيلَ : الصَّحِيحُ أَنَّ بَدَلَهُ أُحُدٌ أَيْ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ . وَقِيلَ : إِنَّ ثَوْرًا كَانَ اسْمًا لِجَبَلٍ هُنَاكَ ، إِمَّا أُحُدٌ أَوْ غَيْرُهُ ، فَخَفِيَ اسْمُهُ . قَوْلُهُ : " حَدَثًا " بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمْرُ الْحَادِثُ الْمُنْكَرُ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَلَا مَعْرُوفٍ فِي السُّنَّةِ ، قَوْلُهُ : " أَوْ أَوَى " الْقَصْرُ فِي اللَّازِمِ وَالْمَدُّ فِي الْمُتَعَدِّي ، قَوْلُهُ : " مُحْدِثًا " بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ، فَمَعْنَى الْكَسْرِ مَنْ نَصَرَ جَانِيًا وَآوَاهُ وَأَجَارَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ . وَمَعْنَى الْفَتْحِ هُوَ الْأَمْرُ الْمُبْتَدَعُ نَفْسُهُ ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْإِيوَاءِ فِيهِ الرِّضَا بِهِ وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِبِدْعَتِهِ وَأَقَرَّ فَاعِلَهَا عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا فَقَدْ آوَاهُ . قَوْلُهُ : " لَعْنَةُ اللَّهِ " الْمُرَادُ بِاللَّعْنَةِ الْبُعْدُ عَنِ الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ دَارُ الرَّحْمَةِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لَا مُطْلَقًا ، قَوْلُهُ : " صَرْفٌ " الصَّرْفُ الْفَرِيضَةُ وَالْعَدْلُ النَّافِلَةُ ، وَقِيلَ : بِالْعَكْسِ ، وَقِيلَ : الصَّرْفُ التَّوْبَةُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ ، قَوْلُهُ : " مَنْ وَالَى قَوْمًا " أَيِ اتَّخَذَهُمْ أَوْلِيَاءَ لَهُ . قَوْلُهُ : " بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ " قَدْ مَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ الْآنَ ، قَوْلُهُ : " وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ " الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْعَهْدُ وَالْأَمَانُ يَعْنِي أَمَانُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ صَحِيحٌ ، وَالْمُسْلِمُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ . قَوْلُهُ : " أَدْنَاهُمْ " أَيْ مِثْلُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ ، فَإِذَا أَمَّنَ أَحَدُهُمْ حَرْبِيًّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُضَ ذِمَّتَهُ ، قَوْلُهُ : " وَمَنْ أَخَفَرَ " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ أَيْ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ ، يُقَالُ : خَفَرْتُهُ أَيْ كُنْتُ لَهُ خَفِيرًا أَمْنَعُهُ وَأَخْفَرْتُهُ أَيْضًا . وَفِيهِ جَوَازُ لَعْنَةِ أَهْلِ الْفِسْقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَعَنَهُ ، وَكُلُّ مَنْ لَعَنَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية