الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 1786 457 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضَعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ. عمدة القاري وَجْهُ الْمُطَابَقَةِ قَدْ ذَكَرْنَاهُ الْآنَ، وَأَبُو وَهْبٍ هُوَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، وَابْنُ شِهَابٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي الْحَجِّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ وَهْبٍ. قَوْلُهُ: " ضَعْفَيْ مَا جَعَلْتَ" تَثْنِيَةُ ضِعْفٍ بِالْكَسْرِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلُهُ، وَضِعْفَاهُ مِثْلَاهُ، وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: ضِعْفُهُ مِثْلَاهُ، وَضِعْفَاهُ ثَلَاثَةُ أَمْثَالِهِ. قَوْلُهُ: " مِنَ الْبَرَكَةِ" ؛ أَيْ: كَثْرَةِ الْخَيْرِ، وَالْمُرَادُ: بَرَكَةُ الدُّنْيَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا". (فَإِنْ قُلْتَ): اللَّفْظُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ بِالْمَدِينَةِ ضَعْفَيْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ، (قُلْتُ): وَلَئِنْ سَلَّمْنَا عُمُومَ اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُجْمَلٌ، فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا": إِنَّ الْمُرَادَ الْبَرَكَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَخَصَّ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا بِالدَّلِيلِ الْخَارِجِيِّ. (فَإِنْ قُلْتَ): الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ ظَاهِرٌ؟ (قُلْتُ): نَعَمْ، ظَاهِرٌ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَفْضَلِيَّةِ الْمَفْضُولِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ ثُبُوتُ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. (فَإِنْ قُلْتَ): فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّامُ وَالْيَمَنُ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ؛ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا" وَأَعَادَهَا ثَلَاثًا؟ (قُلْتُ): التَّأْكِيدُ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّكْثِيرَ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لَهُمْ؛ لِأَنَّ تَكْثِيرَ الْبَرَكَةِ بِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ الْفَضْلَ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَرَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ الْبَرَكَةَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، فَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ؛ فَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَلَا سِيَّمَا فِي وُقُوعِ الْبَرَكَةِ فِي الصَّاعِ وَالْمُدِّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْبَرَكَةَ حَصَلَتْ فِي نَفْسِ الْكَيْلِ بِحَيْثُ يَكْفِي الْمُدُّ فِيهَا مَنْ لَا يَكْفِيهِ فِي غَيْرِهَا، وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ عِنْدَ مَنْ سَكَنَهَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِذَا وُجِدَتِ الْبَرَكَةُ فِيهَا فِي وَقْتٍ حَصَلَتْ إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ دَوَامَهَا فِي كُلِّ حِينٍ وَلِكُلِّ شَخْصٍ؟ (قُلْتُ): فِيهِ مَا فِيهِ، وَقَوْلُنَا: أَفْضَلِيَّةُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا تَثْبُتُ بِدَلَائِلَ أُخْرَى خَارِجِيَّةٍ تُغْنِي عَمَّا ذَكَرُوهُ كُلَّهُ، فَافْهَمْ.

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية