الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                كِتَابُ الْجِرَاحِ وَفِي التَّنْبِيهَاتِ : هُوَ مُشْتَقٌ مِنَ الِاجْتِرَاحِ الَّذِي هُوَ الِاكْتِسَابُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ ) ، وَمِنْهُ جَوَارِحُ الصَّيْدِ ; لِاكْتِسَابِهَا ، وَلَمَّا كَانَ عَمَلُهَا فِي الصَّيْدِ فِي الْأَجْسَادِ وَالدِّمَاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ جُرْحًا ، وَصَارَ عُرْفًا فِيهِ دُونَ سَائِرِ الِاكْتِسَابَاتِ ، وَتَجْرِيحُ الشَّاهِدِ مَجَازٌ ; كَأَنَّهُ لَمَّا قَدَحَ فِي عَرْضِهِ جَرَحَهُ فِي جِسْمِهِ ، وَكَذَلِكَ قَالُوا : طَعَنَ فِيهِ ; فَتَخْصِيصُ اسْمِ الْجُرْحِ بِالْكَسْبِ الْخَاصِّ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْفَرَسِ أَوِ الْحِمَارِ . وَأَصْلُ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; فَالْكِتَابُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) ، وَقَالَ تَعَالَى : ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ ، وَزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ ) وَأَجْمَعَتِ الْأُمَمُ فَضْلًا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ . سُؤَالٌ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ : التَّشْبِيهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَا بَيْنَ الْمُتَفَاوِتَيْنِ جِدًّا ، وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ ( بَعِيدٌ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بُعْدًا شَدِيدًا ، وَكَذَلِكَ إِحْيَاؤُهَا ، بَلْ قَتْلُ وَاحِدَةٍ لَا تُشْبِهُ ) قَتْلَ عَشَرَةٍ ، فَمَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ : ( فَكَأَنَّمَا ) ؟ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إِمَامٌ مُقْسِطٌ ، أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ ، أَوْ وَلِيٌّ تُرْجَى بَرَكَتُهُ الْعَامَّةُ ، فَلِعُمُومِ مَفْسَدَتِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ كُلَّ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ ; وَهُمُ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ ، وَكَذَلِكَ إِحْيَاؤُهُ ، وَإِلَّا فَالتَّشْبِيهُ مُشْكِلٌ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَزِيدُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ مُشْكِلٌ ; لِأَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ : تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَاتِ ، فَغَاصِبُ دِرْهَمٍ لَيْسَ كَغَاصِبِ دِينَارٍ ، وَقَاتِلُ وَاحِدٍ لَيْسَ كَقَاتِلِ عَشَرَةٍ ; لِأَنَّهُ الْعَدْلُ فِي الْعَادَةِ ، فَإِذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى قَاتِلَ الْوَاحِدِ بِالْغَضَبِ وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، اعْتَقَدْنَا مُضَاعَفَةَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ ، فَكَيْفَ فِي الْعَشَرَةِ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ . فَرْعٌ : فِي الْمُقَدِّمَاتِ : لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنَ الْقَتْلِ ، وَجَمِيعُ الذُّنُوبِ تَمْحُوهَا التَّوْبَةُ بِإِجْمَاعٍ إِلَّا الْقَتْلُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنَّ الْوَعِيدَ مُحَتَّمٌ مُتَحَتِّمٌ عَلَيْهِ ، لَا تَوْبَةَ لَهُ لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ آيَاتِ التَّوْبَةِ وَأَحَادِيثِهَا فَتَقَدَّمَ عَلَيْهَا ، وَقَالَهُ مَالِكٌ . وَقَالَ : لَا يَجُوزُ إِمَامَتُهُ وَإِنْ تَابَ ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ كَافِرًا ، أَوْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) قَالَ : وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ رَدَّ التَّبِعَاتِ ، وَرَدُّ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَقْتُولِ مُتَعَذِّرٌ إِلَّا أَنْ يُحَالِلَهُ الْمَقْتُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ . قَالَ : وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ; أَنَّ الْقَتْلَ لَا يُحْبِطُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ ، فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِيُجَازَى عَلَى حَسَنَاتِهِ ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ تَوْبَتِهِ ، سَأَلَ : هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا ؟ وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ ، قَالَ : لَا تَوْبَةَ لَهُ ، وَإِلَّا قَالَ : لَهُ التَّوْبَةُ ، وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ فِي الْفَتْوَى . وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ ، فَإِنْ أَقَادُوا مِنْهُ وَإِلَّا قَالَ : لَكُمُ الدِّيَةُ ، وَصَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، أَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً ، وَيُكْثِرُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَازِمَ الْجِهَادَ وَيَبْذُلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى ، رُوِيَ كُلُّهُ عَنْ مَالِكٍ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ ، فَإِنْ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا ، قِيلَ : ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ( الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا ) وَقِيلَ : لَيْسَ يَكُونُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ ، بَلْ مَنْفَعَتُهُ بِالْإِحْيَاءِ زَجْرًا وَتَشَفِّيًّا ، وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ : حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمَحْصُورُ النَّظَرُ فِي الْجِنَايَةِ ، وَفِي إِثْبَاتِهَا ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْظَارٍ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية