الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                النظر الثاني : في الأحكام :

                                                                                                                في نفسه وولده وماله وجنايته والجناية عليه ، فهذه خمسة أحكام : الأول : نفسه ، ففي الجواهر يهدر دمه إن لم يتب ، فإن تاب عصمها ، وتوبته رجوعه ، وتغير حاله برجوع المتظاهر عن التظاهر ، بل يظهر ضده من الإيمان ، وأما الزنديق ( وهو الذي يظهر الإيمان ويسر الكفر ) ، أو ظهرنا عليه في حال زندقته فأذعن ، فلا يرجع بمجرد دعواه حتى يظهر صدقه ; لأنه بدعواه لم يخرج عن عادته من التقية ، ولذلك نقول : لا تقبل توبته ; لأنها لا تعرف ، ولا نقول لا تقبل فلو جاء تائبا قبل الظهور ، ولم نعلم كفره إلا من قوله [ ص: 38 ] قبلناه ، وعدم قبولها شاذ في المذهب ، وكذلك الساحر . قال الطرطوشي : قال ابن القاسم : سواء في الزنديق ولد على ذلك أم لا ، وسواء الرجل والمرأة والعبد و ( ش ) ، ومن يزيد ، ومن في الذمة لا يقتل . قال مالك : لأنه خرج من كفر إلى كفر . وقال عبد الملك : يقتل ; لأنه دين لا يقر عليه بجزية ، وقال ( ش ) وابن حنبل : نقبل توبته ظهرنا عليه أم لا ، وعند ( ح ) الروايتان .

                                                                                                                لنا : قوله - عليه السلام - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) و ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان . . . . )

                                                                                                                احتجوا بقوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ، ولم يخص المجاهر بقوله تعالى : ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ) ، وبقوله - عليه السلام - : ( فإذا قالوا عصموا مني دماءهم ) الحديث ، وقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إسلام عبد الله بن أبي مع علمه [ ص: 39 ] بزندقته ، وكذلك غيره من المنافقين ، والقياس على غيره من الكفار . وفي مسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأسامة في رجل قتله وهو يقول لا إله إلا الله : من لك بلا إله إلا الله ، قال : فقلت : يا رسول الله ، إنما قالها فرقا من السلاح ، فقال : ( هلا شققت عن قلبه ) ، إشارة إلى تعلق الحكم بالظاهر دون الباطن .

                                                                                                                والجواب عن الأول : بحمله على المجاهر جمعا بينه وبين قوله تعالى : ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) ، أو على أحكام الآخرة ، وهو الجواب عن الثاني والثالث .

                                                                                                                وعن الرابع : انعقاد الإجماع اليوم على أن من علم نفاقه ; لا يقر ، فنقول : عندنا وعندهم يستتاب ، وإنما فعله - عليه السلام - لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ، ولو ثبت ذلك لقتلهم لقيام الحجة له - عليه السلام - كما كان يقتلهم في الزنا وغيره لقيام البينة ، وعلمه هو وحده ويقر مع علمه ، فخاص به عندنا وعندكم .

                                                                                                                وعن الخامس : الفرق بأن توبة هذا لا تثير ظنا ; لأن حالته مستترة بخلاف مظهر الكفر .

                                                                                                                وعن السادس : أن الإكراه على الإسلام في الحربي مشروع إجماعا ، ويثبت إسلامه مع الإكراه ، بخلاف غيره لا بد من الإسلام من باطن القلب .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                في الجواهر : عرض التوبة على المرتد واجب ، والنظر أنه يمهل ثلاثة أيام فيكون [ ص: 40 ] الإمهال واجبا أو مستحبا . ( روايتان ) . قال مالك : وما علمت في استتابته تجويعا ولا تعطيشا ، وأرى أن يقات من الطعام ما لا ضرر له معه ، ولا عقوبة عليه إن تاب : كان حرا أو عبدا ، ذكرا أو أنثى ، ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ . قال الطرطوشي : فإن قتله أحد قبل عرض التوبة فلا قصاص ولا دية . قال القاضي أبو الحسن : يعزر عندي في المرة الثالثة ; لأنه في ردته الثانية بعد مباشرة الإسلام ، وانتفاء الشبهة بالإسلام الطارئ بعد المرة الأولى ، وقال ( ح ) : عرض التوبة ليس بواجب وإن طلب التأجيل ، وعن ( ش ) وأحمد قولان ، وقالعبد العزيز بن أبي مسلمة : لا يمهل ويقتل وإن تاب . ودليل وجوب عرض التوبة قوله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) ، والأمر للوجوب ; ولأنه إجماع الصحابة ; ولأنه يحتمل أن تكون عرضت له شبهة ، فتأول أو يزيلها عنه . احتجوا بقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ) ، وجوابه : القول بالموجب ، فلعلهم الممتنعون عن التوبة .

                                                                                                                فرع :

                                                                                                                وافقنا الشافعي وأحمد على قتل المرتدة ، وقال ( ح ) : تقتل ، وتحبس إن كانت في دار الإسلام حتى تسلم ، فإن لحقت بدار الحرب استرقت ، أو كانت أمة جبرها سيدها على الإسلام ، إلا أن تكون الملكة أو الساحرة ، وسابة النبي [ ص: 41 ] - صلى الله عليه وسلم - تقتل . وأصل المسألة أن القتل حد للحرابة ، وهي تقاتل ، أو للكفر .

                                                                                                                لنا : قوله - عليه السلام - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) ; ولأنها تقتل بالزنا كالرجل ، فكذلك الردة . وهي تجبر على الإسلام فتقتل كالرجل . أجابوا عن قوله - عليه السلام - : ( من بدل دينه فاقتلوه ) أن المراد به الرجل فقط ; لأنه لم يقل : من بدلت ، ولا ، دينها ولا فاقتلوها ، ومفهومه إذ خصصه بضمير الرجل أن لا تقتل المرأة ، وأن الرجل جنى على الإسلام ; لأنه كان عاصما لدمه ، والمرأة لا يعصم دمها الإسلام ; لأنها لا تقتل بالكفر الأصلي ; ولأنه - عليه السلام - نهى عن قتل النساء . وقياسا على كفرها الأصلي ، وناقصة العقل فلا تقتل كالصبي .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أن الضمائر إنما ذكرت للفظ من ; لأنه مذكر ، ويشمل الفريقين ; لقوله تعالى : ( من يعمل سوءا يجز به ) .

                                                                                                                وعن الثاني : النقض بالشيوخ والزمنى ، فإنهم يقتلون بالردة دون الكفر الأصلي .

                                                                                                                وعن الثالث : أن خبرنا علق فيه الحكم بالمعنى ، وفي خبركم بالاسم ، والمعنى أقوى فيقدم .

                                                                                                                وعن الرابع : الفرق بأن الردة بعد الاطلاع على محاسن الإسلام ، فهي أقبح ، ولذلك لا يقر عليها بالجزية .

                                                                                                                وعن الخامس : الفرق بالتكليف فيها دونه .

                                                                                                                [ ص: 42 ] فرع :

                                                                                                                في النوادر : إذا ارتد أهل مدينة وغلبوا استتيبوا ، فإن لم يتوبوا قتلوا ، ولا يسبوا ولا يسترقوا . قال سحنون : يستتاب من بلغ من أولادهم ، ويكره الصغار على الإسلام ، وقيل : يسبى من بلغ كالحربي ، وإن لحق المرتد بدار الحرب وحارب فظفرنا به يستتاب ، وليس كالمحارب يظفر به قبل التوبة ; لأن أهل الردة قبلت توبتهم .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية