الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                الشرط السادس : أن يكون محرزا . ووافقنا فيه الأئمة ، وأكثر العلماء وقالوا ليس فيه خبر صحيح . وفي الموطأ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا قطع في ثمر معلق ، ولا في حريسة جبل ، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ) .

                                                                                                                فائدة : قال صاحب المنتقى : شبه الثمر في إشجاره بالخرائط المعلقة ، وفي التنبيهات : الحريسة : الماشية في المراعي ، والمراح - بضم الميم - : موضع مبيت الماشية ، وقيل : منصرفها للمبيت ، والجرين - بفتح الجيم - كالأندر للتمر ، والمجن - بكسر الميم - : الترس . هذا الحديث وغيره يشعر باشتراط الحرز مطلقا وإن كان إنما ذكر في هذين خاصة ، فيكون في غيرها بالقياس ، وفي هذا الشرط ستة فروع .

                                                                                                                [ ص: 159 ] الأول : في الكتاب : إن كان المسروق وديعة ، أو عارية ، أو إجارة ، قطع ; لأنه حرز له ، أو سرق سارق من سارق ما سرقه ، قطعوا كلهم ; لأنهم سراق . ويقطع سارق ما وضع في أقبية الحوانيت للبيع ; لأنه حرز لمثله عادة ، وكذلك المواقف ، وإن لم يكن هناك حانوت كان ربه معه أو لا سرق بليل أو نهار ، أو شاة وقفها ربها في سوق الغنم ; للبيع مربوطة أو لا . وكذلك ما أخذوا من الدور والحوانيت ، غاب أهلها أو حضروا ، وكذلك ظهور الدواب ، وإذا اجتمع في الجرين الحب والتمر ، وغاب ربه ، ولا باب عليه ، ولا حائط ، ولا غلق ، قطع ; لأنه محرز عادة . ولا يقطع في المواشي في المراعي حتى يأويها المراح ، فيقطع ، وإن لم يطلق على المراح حائط أو غلق ، ولا يبيت معها أهلها كالدواب في مرابطها المعروفة ، ويقطع السارق من الحمام إن كان مع المتاع من يحرزه ، وإلا فلا ، إلا إن سرقه أحد لم يدخل الحمام مدخل الناس من بابه كالمتسور والنقب فيقطع ; لأن هذا الوجه ليس مأذونا فيه ، فيقطع ، وإن لم يكن مع المتاع حارس ، وإن جر ثوبا منشورا على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج ، فلا يقطع إن كان إلى الطريق . وكذلك إن سرق متاعا من ضيع ، ومن أذنت له في دخول بيتك ، أو دعوته لطعامك ، لم يقطع ; لأنك لم تحرز عنه ، وهذه خيانة . وفي التنبيهات : اختلف في قوله في الضيف ، فقيل : معناه : لم يخرج به ، ولو خرج من الدار ، لقطع ، وقيل : معناه : وإن أخرجه ( وهو مذهب محمد ) . وقال سحنون : يقطع وإن لم يخرج به ، ومسألة الحمام تشكل على كثير ممن لم يذاكر ، فيظن أن من لم ينقب لا يقطع ، بل من دخل وسرق من نقب أو غيره ممن لم يدخل مع الناس داخل الحمام ، أو اعترف أنه لم يأت ليدخل الحمام بل ، ليسرق فقط ; لأن سبب سقوط [ ص: 160 ] القطع الإذن في لبس ثياب بعضهم بعضا ، وتنحيتها عن أماكنها ، ويضع ثيابه مكانها ، فإذا اعترف أنه ليس من أهل هذا الإذن ، قطع ، وقيل : إن سرق من الثياب التي في الطيقان ، قطع ، كان من الداخلين للحمام أم لا ; لأنه لم يؤذن في التصرف في الطيقان ، وإنما هي لمن يسبق ، إلا أن تكون لهم عادة في التصرف فيها ، أو تكون كبارا تحمل ثياب جماعة كما توضع على الألواح . وفي المنتقى : إن وقف صبي عند باب المسجد على دابة ، فسرق رجل ركابي سرجها ، قال مالك : إن كان الصبي قائما ، قطع السارق ; لأن ربها إنما جعل ذلك المكان حرزا ; بسبب يقظة الصبي ، فإن كان نائما ، فلا قطع ; لعدم الحرز . قال ابن يونس : ويقطع سارق ما يبسط في المسجد في رمضان للجلوس إن كان معه صاحبه ، وإن لم يخرج به من المسجد ، وكذلك ما يعلق في محارس الإسكندرية من السلاح والمتاع إن كان معه ربه ، قطع ، وإلا فلا ، إلا أن ينقب الجدار من ورائه ، فيقطع ، كان معه أحد أم لا ، ولا يقطع في حلي الكعبة للإذن في دخولها ، قال ابن القاسم : يقطع في حصر المسجد الحرام الذي لا باب له ، وفي أبواب المسجد . وقال أشهب : لا قطع في حصر المسجد وقناديله وبلاطه للإذن في الدخول ، وقيل : إن سرق الحصر نهارا ، لم يقطع ، أو تسور عليها ليلا بعد غلق الباب ، قطع . ويقطع في القمح الذي يجمع في المسجد من زكاة الفطر وإن لم يخرج به ، ( قاله مالك ) ، وقال ابن القاسم : يقطع في ثوب الرجل يكون قريبا منه في المسجد ، ثم يقوم فيصلي ، فيتوجه القطع لقبضه قبل أن يتوجه به ; لأن ذلك حوزه وإن سرق الطعام من المطامير في الفلاة أخفاه صاحبه ، لم يقطع : بخلاف ما هو بحضرة أهله معروف ، وأسقط القطع في الثوب الذي بعضه للطريق بالشبهة . وعن ابن القاسم : يقطع كما على البعير . واختلف قول مالك فيما على حانوت الصباغ ، والقصار ، وقال في الغسال على البحر يبيس الثياب : لا يقطع ، كالغنم في المراعي . قال محمد : لا قطع في تمر رءوس [ ص: 161 ] النخل في الحوائط ، بخلاف نخلة أو شجرة في دار رجل ، يقطع ، وإذا أوى الثمار الجرين ، قطع إلا في جرين الصحراء ، ولا حائط عليه ولا غلق ; لأن الحديث إنما ورد في الجرين الذي أهله حوله ، يحرسونه ، وسوى ابن القاسم ; لعموم الحديث ، قال مالك في زرع مصر وقرظها ، يحصد ويترك في موضعه حتى ييبس ، لا يقطع فيه ; لأن الحديث اشترط : إذا أواه الجرين ، وكذلك في الزرع يحصد فيجمع في الحائط ، فيحمل منه إلى الجرين ، يقطع فيه ; لأنه إذا ضم في الحائط ، فيحمل منه إلى الجرين ، يقطع فيه ; لأنه إذا ضم في الحائط في موضع ، فهو كالجرين . قال اللخمي : الحرز ثلاثة : ما عليه غلاق ، كالدار والخباء ، فيقطع من لم يؤذن له ، والإنسان لما معه أو عليه نائما أو يقظان ، أو شيء يحرسه ، ولا خلاف في هذين ، والثالث : لا غلق عليه ، ولا حارس ، كالفناء والجبل ففيه اضطراب ، وإن سرق في الحمام مما يجعل في الحصر ، لم يقطع ; لأن له أن يجعل حصيرة معها ويوسع لثيابه . وإن سرق من الحارس من ليس له ثياب عنده ، قطع ، إلا أن يوهمه أن له عنده ثيابا ، أو أذن له في النظر ، لم يقطع للإذن ، وإن ناوله ثيابه فمد يده إلى غيرها ، قطع ; لذهاب الشبهة بأخذه ثيابه ، وإن أذن له في أخذ ثيابه من جملة الثياب ، لم يقطع ; لأنه خائن قال ابن القاسم في الأضياف يسرق أحدهم : لم يقطع ; لأنه بعد الإذن خائن . قال محمد : إن سلب بعضهم من كم بعض ، أو سرق رداءه أو نعله ، لم يقطع ; لأن الحرز هو البيت لا الكم ، قال اللخمي : وليس بالبين إن سرق من الكم ، والقطع أحسن ; لأن كل واحد حرز لما عليه ، ولأن كل واحد يأمن صاحبه على ما بين يديه ، ولا يأمنه على كمه . ومن هذا سرقة أهل السفينة من بعضهم ، وعن [ ص: 162 ] أصبغ : يقطع في حصر المسجد وبلاطه وقناديله ; قياسا على الباب ، وقاله مالك : سرق ليلا أو نهارا ، عليه غلاق أم لا ، وإن لم يخرج به من المسجد ; لأن تلك المواضع أحراز لذلك . وعن سحنون : إن خيط الحصر بعضها لبعض ، قطع وإلا فلا ، وأسقط أشهب القطع مطلقا للإذن ، ورأى مالك أن الإذن ليس من المالك ، وإنما هو شيء أوجبه الحكم . وجعل مالك الكعبة في السرقة مثل المنازل ، إن سرق حليها وهي مغلقة ، قطع ، وإلا فلا ، ولم يجعلها مثل المساجد ، ويقطع في بيت القناديل فيه الحصر وغيرها ، وإن لم يؤذن في دخوله .

                                                                                                                قال عبد الملك : إن سرق في الدار نعلا ، لم يقطع ; لأنه جعل له تحريكها وإبعادها ، وجعل له توسعة لنعله . قال مالك : إن أدخله حانوته ، فعرضها عليه فسرق ، لا يقطع ; لأنه ائتمنه على الدخول ، بخلاف أقبية الحوانيت ، وقالعبد الملك : يقطع ، وقال اللخمي : الأحوال ثلاثة : إن أباح له التقليب في صنف ، لم يقطع فيه ، أو من غيره ، لم يقطع عند مالك ، وقطع عند عبد الملك ، وإن لم يؤذن له في الدخول ، قطع اتفاقا ، ويقطع في تابوت الصيرفي كان عنده أم لا ، إلا أن يكون يتقلب به كل ليلة فنسيه ، لم يقطع . قال محمد : لا يقطع في القطاني في القفاف ، أو في أقبية الحوانيت ، فقام صاحبها وتركها ; لأنها مما يخفف نقلها ، فلم يجعل لها ذلك الموضع ; حرزا . وإذا وقفت الغنم للبيع وسرق منها من أذن له في تقليبها ، لم يقطع ، وإلا قطع . وإن تعامل عليه رجلان : أحدهما يسوم ويقلب ، والآخر يسرق ، قطع السارق وحده . قال اللخمي : الأحسن في الشاة الواحدة في السوق [ ص: 163 ] إذا ذهب عنها صاحبها ، عدم القطع مطلقا ; لأنها لا تثبت وحدها في ذلك الموضع ; ولأنها مما يخف نقلها . واختلف إذا سيقت الغنم من المرعى للمراح ، أو أخرجت منه للمرعى ومعها من يسوقها ، هل يقطع ; لأنها أواها المراح ، أو ; لأنها ليست فيه ؟ قال مالك في الدواب تكون في الربيع ومعها قومتها ، لا يقطع فيها ; لأنه مرعى ، بخلاف الدابة على باب صاحبها .

                                                                                                                الثاني ، في الكتاب : إن سرق نخلة من مكانها ، أو شجرة في حائط ، لم يقطع كالثمار ، فإن قطع الجذع صاحبه ، ووضعه في الحائط ، فهو حرز له ، فيقطع ، ويقطع سارق البقل إذا أواه حرزه ، بخلافه قائما ، وإن وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجا من خبائه وذهب لحاجته ، قطع فيه ، وكذلك فسطاطه مضروبا في الأرض ، أو احتل بعيرا من قطاره في سيره ، وبان به ، أو كفنا من القبر أو حل الطرار من داخل الكم أو خارجه ، أو أخرج من الخف ثلاثة دراهم ، أو سرق من محمل شيئا مستترا ، أو أخذ من ظهر البعير غرائر ، أو شقها فأخذ منها ، أو ثوبا على ظهر البعير مستترا .

                                                                                                                فائدة : في التنبيهات : الطرار الذي يطر ثياب الناس ، أي : يشقها عن أموالهم ليأخذها ، والنطرول - بفتح النون وضمها ، وبالنون من أوله وبالام - قال ابن وهب : هو جنس من الشب ، وقال غيره : غاسول يشبه الطفل . قال ابن يونس : قال أشهب : إذا قطع الجذع ، وألقي في الحائط في حرز وله حارس ، قطع . قال محمد : إن قطعت للحمل حولها ، لم يقطع . قال ابن القاسم : إذا أبعد الراعي بغنمه ، ودخل عليه الليل في موضع غير مراح ، فجمعها وبات عليها ، قطع سارقها ; لأنه كالمراح ، قال [ ص: 164 ] الطرطوشي : أشار - عليه السلام - إلى اعتبار الحرز في حديث الجرين ، ولم يبين صفته ، ووكله إلى اجتهاد العلماء ; ليعظم أجرهم . والقاعدة : أن كل ما لا ينص على ضبطه ، يرجع فيه للعادة ، كالنفقات وغيرها ، فحرز كل شيء على حسبه عادة . قال مالك : القبر حزر لما فيه كان في البيت أو الصحراء ، يقطع سارقه إن أخرجه إلى وجه الأرض . وإن كفن وطرح في البحر ، قطع آخذ كفنه ، شد إلى خشبة أم لا ، ووافقنا أحمد ، قال ( ش ) : إن كان القبر في دار أو في المقابر ، قطع ، أو في الصحراء ، فقولان مبنيان على أن الولي يضمن الكفن ، فلا يقطع ، أو لا فيقطع ، وقال ( ح ) : لا يقطع مطلقا . لنا العمومات والأقيسة على المنازل وغيرها ، وقوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) ، والكفت الستر ، فالدور كفاة الأحياء ، والقبر كفاة الأموات . وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : ( من غرق غرقناه ، ومن حرق حرقناه ، ومن نبش قطعناه ) ، وكتب ابن مسعود إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما في نباش ، فأمر بقطعه ، فقطعه . وقطع ابن الزبير نباشا في عرفات وهو محرم ، فلم ينكر عليه أحد ، فهو إجماع الصحابة ; ولأنه حرز تملكه وهو على ملكه ، فيقطع كالحي . وملك الميت إنما يزول عما لا يحتاج إليه بدليل وفاء الدين من تركته ، ولا تبرأ ذمته بغير ملكه . احتجوا بأنه لا يسمى سارقا ، بل نباشا ، وعند أهل المدينة يسمي : المختفي ، قالت [ ص: 165 ] عائشة - رضي الله عنه - : ( لعن الله المختفي والمختفية ) ، وقال - عليه السلام - : ( لا قطع على المختفي ) . ولأن القبر ليس بحرز ; لأنه لا قفل عليه ; ولأنه لا تحرز فيه الدنانير ، كسائر الأحراز ، ولو دفن معه مال ، لم يقطع آخذه اتفاقا ، ولو كان حرزا لكان حرزا لما زاد على الكفن المعتاد ، ولو كفن في عشرة أثواب ، فسرق الزائد على الكفن ، لم يقطع ; ولأن الكفن إنما يوضع للبلى لا للحفظ . ولو وضع الكفن في قبر بغير ميت لم يكن حرزا له . ولو وضع الميت على شفير القبر ، لم يقطع سارق كفنه ، فالميت والقبر ليس حرزا . والاجتماع لا يزيد على الانفراد ; ولأنه ليس حرزا للناس ; لأنه لا يدخل بإذن الولي ولا غيره ، وإنما هو حرز لله تعالى ، والخلق عباد الله ، والعبد لا يقطع من حرز سيده ; ولأنه مال مدفون ، فلا يقطع فيه كالبذر .

                                                                                                                والجواب عن الأول : أنه سارق ; لقول عائشة - رضي الله عنها - : ( سارق موتانا كسارق أحيائنا ) . ويقال في العرف : سرق الكفن ، ولأن السارق : الآخذ خفية ، والنباش كذلك .

                                                                                                                وعن الثاني : مجمل الحديث على ما إذا لم يخرجه ، أو له فيه شبهة جمعا بين الأدلة .

                                                                                                                وعن الثالث : أن حرز كل شيء على حسبه ، فقد يصلح حرزا لشيء دون غيره ; لأن ضابط الحرز العادة ، والعادة في الأموال مختلفة اتفاقا ، وهو الجواب عن الزائد في الكفن والمال مع الميت ; لأنه خلاف العادة .

                                                                                                                وعن الرابع : أنه يقصد حفظه عليه في القبر حتى يبلى ، فكونه يبلى لا ينافي قصد الحفظ .

                                                                                                                [ ص: 166 ] وعن الخامس : أن العادة شهدت بأن الحفر لا يكون حفظا للقماش إلا كفنا ، وأن الكفن وحده خلاف العادة . وكذلك الميت على شفير القبر ، لم تشهد العادة بأن شفير القبر حرز ; لأن ضابط الحرز ما لا يعد الواضع فيه مفرطا . والواضع في غير القبر مع تركه مفرط . وبالضابط تظهر هذه النصوص كلها بأن واضع الميت مع الكفن في القبر ليس مفرطا ، وغير ذلك يعد مفرطا .

                                                                                                                وعن السادس : لا نسلم أنه ليس حرزا للغير ، بل حرز للميت وبيته ، كالدار حرز للحي وبيته ; لقوله تعالى : ( ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا ) وعدم الدخول بالإذن ، كعدم الدخول في البيت على الحي العريان . سلمنا أن الحرز لله تعالى ، لكن الكفن للميت ، فهو كعبد سرق من بيت سيده مال غير سيده ، يقطع . وعندنا : إن سرق من بيت سيده مال غير سيده ، يقطع . وعندنا أن من سرق من بيت الله تعالى ذلك ، يقطع .

                                                                                                                وعن السابع : أن البذر فيه للعلماء ثلاثة أقوال : القطع كالكفن وعدمه ; لأنه لم يوضع للحفظ ، بل للنبات ، والفرق بينه وبين الكفن : أن كل حبة في حرزها ، فهو مخرج من كل حرز دون النصاب ، وهو المختار ، الثالث : إن نزل المسافرون كل واحد على حدة ، فسرق أحدهما من الآخر ، قطع كأهل الدار ذات المقاصير . ومن ألقى ثوبه في الصحراء وذهب لقضاء حاجته وهو يريد الرجعة إليه ليأخذه ، [ ص: 167 ] فسرقه رجل سرا ، قطع إن كان منزلا نزله ، وإلا فلا . قال ابن يونس : قال أشهب : إن طرحه بموضع ضيعة ، لم يقطع ، أو بقرب منه ، أو خبائه ، أو خباء أصحابه ، وسرقه غير أهل الخباء ، قطع . قال محمد : وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض ، فلا قطع ، كالحرز الواحد ، إلا أن يسرق من غير أهل السفينة مستترا ، فليقطع إذا خرج من الركب .

                                                                                                                الرابع : في الكتاب : إن سرق من سفينة ، قطع ، والسفينة نفسها فهي كالدابة ، تحبس ، وتربط إن كان معها من يمسكها قطع كالدابة بباب المسجد وفي السوق . وإن نزلوا سفينتهم منزلا ، فربطوها ، قطع ، كان معها صاحبها أم لا ; لأنه كالحرز لها . قال ابن يونس : قوله : يقطع سارق السفينة ، يريد : إنه من غير أهلها ، فيقطع إذا أخرجه من السفينة ، أما أحدهم فلا ; لأنها كالحرز الواحد ، قال محمد : إن أرسى السفينة بموضع يصلح أن يرسى بها فيه ، قطع ، وإلا فلا ; لعدم شهادة العادة بأنه حرز لها ، قال اللخمي : إن انفلتت من المرسى : لم يقطع ، فإن أرسي بها في غير مرسى ، قطعه ابن القاسم دون أشهب ، ولو كان معها في البر من يحرسها ، قطع عندهما .

                                                                                                                الخامس : في المقدمات : الدور ستة : دار حجرها ساكنها أو مالكها عن الناس ، يقطع سارقها إن خرج من الدار ، ولا يقطع إن خرج من بعض بيوتها ولم يخرج منها ، ودار أذن فيها ساكنها أو مالكها لخاص كالضيف ، أو رسول يبعثه ليأتيه بقماشه ، فيسرق ذلك الخاص من بيت حجر عليه فيه ، ففي المدونة : لا يقطع ، وإن أخرجه من جميع الدار ; لأنه خائن ، لا سارق ، وقطعه سحنون ، وإن لم يخرج من جميع الدار إذا أخرجه إلى موضع الإذن ; لشبهة بالشركاء في ساحة الدار إذا سرق أحدهم من بيت صاحبه ، وأخرجه إلى ساحة الدار . وعنه : لا [ ص: 168 ] يقطع حتى يخرجه من جميع الدار ، ودار انفرد بسكانها مع امرأته ، فسرقت الزوجة أو أمتها من بيت حجره عليها ، أو الزوج أو عبده من مالها المحجور عليه ، فظاهر المدونة : يقطع إن أخرجه إلى موضع الإذن ، وعن مالك : لا يقطع ; لأنها خيانة ، ودار أذن فيها إذنا عاما ، كالعالم والطبيب ، أو يحجر على بيت منها دون بقيتها ، يدخل بغير إذن ، فيقطع من سرق من بيت محجور إذا خرج به من جميع الدار ، ولا يقطع السارق من قاعتها ولا من غير المحجور من بيوتها اتفاقا حتى يخرج من جميع الدار ; لأن بقية الدار من تمام الحرز ، ففارقت الحجر ، فإنه لا يدخل إلا بإذن صاحبها ، ودار مشتركة بين ساكنيها ، مباحة لسائر الناس ، كالفندق ، فقاعته مباحة للبيع والشراء ، فهي ، كالمحجة ، فالسارق من البيوت من السكان أو غيرهم إذا أخذ في قاعة الدار ، قطع اتفاقا ، ودار مشتركة بين ساكنيها ، محجورة عن الناس ، من سرق من بيت صاحبه ، قطع إذا خرج إلى قاعة الدار ، ( وإن لم يخرج عن الدار ) ولا أدخله بيته ولا قطع في السرقة من قاعة الدار ، وإن أدخله بيته أو خرج به من الدار ; لأنها مأذون فيها لهم ، إلا إن سرق من قاعتها دابة من مربطها المعروف لها ، ونحوه من المتاع الثقيل الذي يجعل بعضه على بعض ، فذلك الموضع حرز له . وإن سرقت زوجته لأحد سكانها ، أو زوجها أو رقيقها من مال صاحبه من بيت محجور عليه منه ، قطع اتفاقا ، أو أجنبي من بيت من بيوت الدار ، وأخذ في قاعتها ، وكالثوب المنشور ، فيخرجه من الدار ، فظاهر المدونة : يقطع في الوجهين . والقياس : إذا قطع في الوجه الثاني أن [ ص: 169 ] لا يقطع في الوجه الأول ، وعليه حمل عبد الحق ما في المدونة . وإذا قطع في الوجه الأول أن لا يقطع في الثاني ، وعليه حمل التونسي ما في الموازية ، فتتحصل أربعة أقوال . واختلف إذا سرق أجنبي ما نسي بعض الأشراك في القاعة مما لم يقصد وضعه فيها ، قطعه ابن القاسم دون محمد ، فإن كان موضعا له كمربط الدابة ، قطع اتفاقا إن أخرجه من الدار ، فإن أخذ قبل ذلك وبان به عن موضعه ، فعلى الخلاف إذا أخرجه من البيت إلى القاعة . وفي النكت : الدار المشتركة المحجور عليها لغير السكان ، كدور مصر ، وإن نشر أحد ثوبه على ظهر بيته المحجور عن الناس ، قطع سارقه ، وإن أخذ في الدار ، ( قاله ابن القاسم ) . قال محمد : إن كان السارق من أهل الدار وإلا لم يقطع حتى يخرج من جميع الدار .

                                                                                                                السادس : في الجواهر : إن علم صاحب الحرز بالسارق ، فتركه حتى خرج ، ثلاثة أقوال : لا يقطع لمالك ; لأنه مختلس بسبب الإطلاع ، وقطعه أصبغ ، وفرق بعض المتأخرين : إن شعر بمعرفته ففر ، لم يقطع .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية