الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المقدمة

إن الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:

فإن المرض سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور خلقه..

يصيب الإنسان فيعطله عن القيام بشئونه، وقد يتفاقم فينتهي به إلى الموت.. وكذلك هـي حال الأمم. فإنها جميعا تخضع لسنة المرض، كما يخضع الأفراد، وتؤكد لنا أحداث التاريخ أن الأمة الإسلامية لم تكن استثناء من هـذه السنة الإلهية المطردة، فقد تعاقبت عليها أمراض شتى على مدار تاريخها الحافل بالأحداث الجسام، ولكنها كانت في كل مرة تواجه المرض بنفس مطمئنة، وعزم لا يلين، وتوكل على الله عز وجل ، لا يدانيه ريبة، ولا عجز، ولا كسل.. وما هـو إلا قليل حتى تقوم من وعكتها، وتنطلق من جديد لإتمام واجبها الجليل، الذي ناطه بها رب العزة سبحانه، وهو واجب الشهادة على البشرية ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) (البقرة: 143) .

لقد كان هـذا هـو حال أمتنا الإسلامية في مواجهة ما ألم بها من أمراض على مدى القرون الماضية، إذ لم يكن المرض غير مرحلة عابرة في حياتها، لا تلبث بعده أن تقوم إلى أداء واجب الشهادة.

والشهادة على الناس.. [ ص: 25 ] ليست مجرد ( فرجة ) أو تسلية.

بل هـي: فعل وقرار..

فعل.. يبتغي تبليغ رسالة التوحيد للبشرية، كل البشرية. وقرار.. يتضمن معنى القوامة على البشرية، فهذه الأمة التي اختارها الله عز وجل لتكون (خير أمة أخرجت للناس) من واجبها -وقد خصها ربها بهذا التكريم- أن تكون ( الراعية ) في بيت البشرية الكبير.. تبين للناس الحق، وتأطرهم عليه أطرا، وتبين لهم الباطل، فتصدهم عنه صدا، فهذا هـو السبيل لكي يستقيم أمر الدنيا، وتعيش البشرية الحياة الكريمة، التي أرادها لها خالقها.. سبحانه..

واليوم.. نرى هـذه الأمة التي يفترض فيها أن تكون ( الشاهدة ) وقد حقت عليها سنة المرض، وسرى في أوصالها الوهن، الذي لم يكن بطبيعة الحال وليد الحاضر وحده، بل كان نتاج عصور متطاولة من المحن والرزايا والبلايا والخطوب.. مما جعل هـذه الأمة تعيش اليوم على هـامش الأحداث، وقد خرج القرار من بين يديها، وأصبح في أيدي ( الآخرين ) الذين راحوا يخططون ويدبرون ويكيدون

وقد كان من نتيجة هـذا الوضع المقلوب أن تخلفنا عن ركب الحضارة أشواطا بعيدة، ليس في ميدان واحد من ميادين العلم أو السياسة أو الاقتصاد، بل في تلك الميادين جميعا، بما فيها ميدان الإيمان نفسه، فأمسينا في الغالب مسلمين بالعنوان فحسب، وأما المضمون فذلك شأن آخر

نحن مسلمون.. هـذا صحيح إن كان الإسلام مجرد نطق بالشهادتين، وبضع ركعات في اليوم والليلة، وصوم أيام من كل عام..

لكن الحقيقة غير هـذا.. فالإسلام ليس مجرد شعائر تعبدية تؤدى في دقائق معدودات، وإنما الإسلام حياة متكاملة يتجه كل نشاط فيها إلى بارئ الكون [ ص: 26 ] سبحانه، لا دقائق معدودات، بل العمر جميعه، بكل أيامه وساعاته وثوانيه.. وصدق الله العظيم الذي يبين لنا هـذه الحقيقة ناصعة في محكم التنزيل ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) (الذاريات: 56) . وحين تعود حياتنا عبادة خالصة لله وحده، حينئذ يمكن أن نستعيد مكاننا تحت الشمس، وأن يعود القرار في أيدينا، وأن نعود كما كنا في يوم من الأيام شهداء على الناس.

وهنا يبرز السؤال المرير.. كيف السبيل إلى ذلك؟ هـذا السؤال الذي لا أشك أنه يتبادر إلى أذهاننا جميعا..

وأقول: إن الجواب الذي لا يكاد يختلف عليه اليوم مسلمان هـو (العودة الصادقة إلى نبع الإسلام الصافي) غير أن هـذا الجواب - للأسف - لا يكاد يقدم أو يؤخر في حل المشكلة لأنه جواب فضفاض.. عام.. شامل.. لا يبين لنا: كيف تكون البداية؟ ولا كيف نتابع المسير؟

وأرى في هـذا المقام - كما قرر من قبل معظم المهتمين بالمشكلة - أني لا أملك الآن جوابا وافيا شافيا عن هـذه التساؤلات، غير أنني من خلال معايشتي الطويلة للعمل الإسلامي، وبخاصة في السنوات القليلة الماضية، التي شهدت ما اصطلح على تسميته (الصحوة الإسلامية) أستطيع أن أجزم بأن العمل الإسلامي ما يزال يفتقد إلى المنهج الواضح، الذي يقوم على تحليل دقيق للمشكلة، وتحديد موضوعي للأسباب والعوامل، التي أدت إليها..

ومن هـنا انطلقت فكرة هـذا الكتاب، الذي يعد بمثابة محاولة للبحث عن الأسباب والعوامل، فالبحث عن الأسباب والعوامل التي تقف وراء تخلفنا الحضاري، يعد مرحلة لا محيص عنها، قبل التفكير بوضع الخطط والبرامج، التي تبتغي الإقلاع نحو مستقبل جديد.

والحق.. إن هـذا الكتاب ليس إلا إضافة للأبحاث والدراسات التي سبقته إلى تناول الأزمة الحضارية، التي تعيشها اليوم أمتنا الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، ولعلي أتذكر هـنا على وجه الخصوص تلك الأعمال [ ص: 27 ] القيمة التي قدمها للمكتبة المفكر الأستاذ (مالك بن نبي) [1]

تحت عنوان (مشكلات الحضارة) ، فقد أبدع مالك رحمه الله في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية، من خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها، فساهم بذلك في تصحيح النظرة للأزمة، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم، ومن ثم قابلة للتسخير في حل هـذه الأزمة.

كما أشير في هـذا المقام إلى السلسلة التي قدمها المفكر الأستاذ ( جودت سعيد ) [2]

تحت عنوان ( أبحاث في سنن تغيير النفس والمجتمع ) والتي تعد بحق إضافة طيبة في هـذا المجال

إلى جانب عدد كبير من الدراسات والأبحاث التي ظهرت في غضون السنوات القليلة الماضية في ساحة الفكر الإسلامي، وكان لكل منها فضل في إلقاء المزيد من الأضواء على جوانب الأزمة المتعددة.

وقد شعرت من خلال مطالعتي لتلك الأعمال القيمة أنها - على تفاوت بينها - قد أولت موضوع ( سنة الله في الخلق ) اهتماما خاصا، على أساس أن التعامل مع الكون المحيط بنا لا يتم بصورة صحيحة إلا بعد فهم السنن الربانية، التي جعلها الله عز وجل أبوابا للتعامل مع موجودات هـذا العالم.

لكن الملاحظ أن تلك الأعمال التي تحدثت عن ( السنن ) قد انصرفت في الغالب لبيان مدى تقصير المسلمين في كشف ودراسة هـذه السنن، دون التفصيل في طبيعة هـذه السنن، وخصائصها، وعلاقتها بالجهد البشري، وقد وجدت ضرورة هـذا التفصيل، حتى نعرف كيفية الوصول إلى تسخير السنن، وهو غاية دراستنا لها.. وربما كانت الإضافة الحقيقية في هـذا الكتاب أنه يقدم دراسة تفصيلية لطبيعة السنن الربانية، التي تحكم كل صغيرة وكبيرة [ ص: 28 ] في هـذا الوجود، وهو ما لم تتعرض له الدراسات السابقة إلا بصورة عابرة في الغالب.

وقد قسمت الكتاب إلى: مدخل، وثلاثة فصول..

* فأما ( المدخل ) فقد ناقشت فيه العلاقة العضوية التي تربط ما بين الجهد البشري، وبين السنن، التي فطر الله عليها أمور خلقه، وبينت كيف أن الجهد البشري لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا بفهم السنن المتعلقة به، ومعرفة كيفية تسخيرها.

* وفي ( الفصل الأول ) عرضت أسباب اهتمامنا بالحديث عن السنن، مع بسط دعوة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف للسير في الأرض، والنظر في آيات الله (أو سننه) للاهتداء بها في التعامل مع مخلوقات الله التي تخضع جميعا لهذه السنن.

* كما عرضت في هـذا الفصل أيضا خصائص السنن، وبينت كيف أنها تمثل قوانين عامة شاملة، تتصف بالثبات والاطراد، ويخضع لها كل مخلوق من مخلوقات الله المادية وغير المادية، كما تناولت بالتفصيل تلك الظروف والحالات التي يحصل فيها خرق للسنن، أو الخروج بها عن مألوف البشر، كما هـي الحال في المعجزات والكرامات..

* وأما ( الفصل الثاني ) فقد خصصته لمناقشة عدد من القضايا الهامة، التي لها مساس مباشر بأزمتنا الحضارية الراهنة، وذلك في ضوء ما بينته في الفصل السابق عن خصائص السنن.

* وفي الختام جاء (الفصل الثالث) بمثابة تلخيص للبحث، واستخلاص لأهم النتائج التي انتهيت إليها من خلاله.

أسأل الله العلي العظيم أن يجعل في هـذا العمل نفعا وفائدة، وأن يتقبله مني خالصا لوجهه الكريم.

د. أحمد محمد كنعان [ ص: 29 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث