الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير الآيات من 203 إلى 220

الإعراب:

فلا إثم عليه : حذف الهمزة تخفيف، والعرب قد تستعمله، (ومنه قراءة الكسائي : {أريت} [الكهف: 63]، وما روي عن ابن كثير قراءته: {إنها لحدى الكبر} [المدثر: 35]، وعن ابن عامر : {وإن الياس} [الصافات: 123]، ومنه قول الشاعر: [من الرجز]


(إن لم أقاتل فالبسوني برقعا)

وقول الآخر: [من الكامل]


يا با المغيرة رب أمر مبهم

[ ص: 502 ] وهو كثير، قد ذكرت طرفا منه في (الأصول) ، وبسطته في «الكبير» .

وتقدم القول في تعلق اللام في: لمن اتقى .

ويشهد الله : القراءتان فيه ظاهرتان، وكذلك: ويهلك الحرث والنسل ، {ويهلك} .

ومن رفع {ويهلك} ؛ فعلى الاستئناف، ومن فتح اللام; جاز أن تكون لغة; مثل: (أبى يأبى) ، و(ركن يركن) ، و(سلى يسلى) ، و(قلى يقلى) .

وتقدم القول في: {السلم} .

وكسر اللام من: {زللتم} لغة.

ومن قرأ: {في ظلال من الغمام} ؛ فهو جمع (ظلة) ، كـ (قلة، وقلال) ، وقيل: جمع (ظل) ، [ومن قرأ: في ظلل} ؛ فهو جمع (ظلة) ؛ كـ (ظلمة وظلم) ].

[ ص: 503 ] وجر {الملائكة} على معنى: في ظلل من الغمام وظلل من الملائكة، ومن رفع; فعلى معنى: يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام.

و ترجع الأمور و {ترجع} : متقاربتان.

ومن قرأ {ترجع الأمور اسأل} بالهمز; فهو الأصل، ومن قرأ {سل} ؛ فإنه لما خفف الهمزة، فتحركت السين بحركة الهمزة; استغني عن ألف الوصل، فاعتد بالحركة العارضة.

وأجاز كثير من النحويين إدخال ألف الوصل مع التخفيف، فيقول: (اسل) مثل: (الحمر) ، ولم يجزه المازني، وقال: ليس هذا مثل: (الحمر) ؛ لأن الألف واللام كحرف واحد بمنزلة (قد) ، [ألا ترى أن الألف تثبت مع ألف الاستفهام ولا تحذف؟].

ومن خص بالتخفيف ما قبله الواو والفاء; فلأن الواو والفاء قد قامتا مقام ألف الوصل، فخفف بالتخفيف القياسي، وأقام الحرف مقام ألف الوصل.

[ ص: 504 ] وقوله: كم آتيناهم من آية بينة : {كم} : في موضع نصب بإضمار فعل بعدها، التقدير: (كم آتينا آتيناهم) ، و من آية : في موضع المفعول الثاني لـ {آتينا} ، [ولا يعمل {سل} ؛ لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله].

ويجوز أن تكون {كم} مفعولا ثانيا لـ (آتينا) ، ولو حذفت {من} على هذا الوجه لانتصبت {آية} على التفسير.

ويجوز أن تكون {كم} في موضع رفع على تقدير إضمار العائد، التقدير: (كم آتيناهموه) ، ولا يجيزه سيبويه إلا في الشعر.

بغيا بينهم : مفعول له، وقيل: الاستثناء متعلق بثلاثة أشياء; كأنه قال: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، وما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءهم العلم، وما اختلفوا فيه إلا بغيا بينهم) ؛ فحذف ذلك; لدلالة الأول عليه.

{حتى يقول الرسول}: من رفع {يقول} ؛ فهو خبر عن الحال التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم فيما مضى، وهو فعل قد ذهب وانقضى; فـ {حتى} : داخلة على جملة في المعنى، وهي لا تعمل في الجمل، والمعنى: (وزلزلوا حتى قال الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟!) ، فالزلزال وقول الرسول قد مضيا جميعا.

ويجوز أن يكون الزلزال قد مضى، والقول لم يمض، والمعنى: (وزلزلوا فيما [ ص: 505 ] مضى حتى إن الرسول الآن يقول: متى نصر الله؟) ، فحكيت الحال التي كانوا عليها.

ومن نصب; فعلى أن {حتى} غاية، والمعنى: (وزلزلوا إلى أن قال الرسول) ، فنصب بإضمار (أن) ، وجعل قول الرسول غاية لخوف أصحابه، والفعلان قد مضيا.

و يسألونك ماذا ينفقون : {ماذا} : تكون اسما واحدا في موضع نصب بـ {ينفقون} ، التقدير: (ويسألونك أي شيء ينفقون؟) .

وتكون أيضا استفهاما مبتدأة، و {ذا} بمعنى: (الذي) ، وهو خبر عن {ما} ، والعائد محذوف، والتقدير: (ما الذي ينفقونه؟) .

وتقدم القول في (الكره) .

يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه : {قتال} : بدل من {الشهر} ، وهو بدل الاشتمال.

الكسائي : هو مجرور على التكرير، والتقدير عنده: (عن الشهر الحرام، عن قتال فيه) ، وكذلك قال الفراء : هو مجرور بإضمار (عن) .

أبو عبيدة : هو مجرور على الجوار.

وتقدم القول في إعراب: وصد عن سبيل الله وكفر به في التفسير.

[ ص: 506 ] قل فيهما إثم كبير : من قرأ بالثاء; أخبر عن الإثم بالكثرة; ليكون مقابلا للمنافع الموصوفة بالكثرة.

ومن قرأهما بالثاء جميعا; أراد اتفاق الكلمتين والمعنيين.

ومن قرأهما بالباء; فلأن الميسر وشرب الخمر من الكبائر، وقد قال: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه [النساء: 31].

قل العفو : الرفع على أن {ما} استفهام، و {ذا} بمعنى: (الذي) ، فجاء الجواب على السؤال، التقدير: (يسألونك ما الذي ينفقونه؟ قل: الذي ينفقونه العفو) .

ومن نصب {العفو} ؛ فعلى أن {ماذا} اسم واحد، فجاء الجواب منصوبا، والتقدير: (يسألونك أي شيء ينفقون؟ قل: ينفقون العفو) .

قل إصلاح لهم خير : من قرأ: {أصلح لهم} ؛ فعلى الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام أن يصلح لهم أمورهم، والمراد به: السائلون، و(خير) : خبر مبتدأ [ ص: 507 ] محذوف، التقدير: (أصلح لهم، فذلك خير) ، فحذفت الفاء، [كقول الشاعر: [من الطويل]


بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها     بني ثعل من ينكع العنز ظالم]

ومن قرأ: إصلاح لهم خير ؛ فهو ابتداء وخبر.

وإن تخالطوهم فإخوانكم : الرفع على معنى: (فهم إخوانكم) ، ولو قرئ بنصبه على معنى: (فإخوانكم تخالطون) ؛ لجاز.

حتى يطهرن [البقرة: 222]: من قرأ {يطهرن} ؛ فالمعنى: (حتى يغتسلن بالماء) ، وهو الحكم عند سائر الفقهاء.

ومن قرأ: {يطهرن} ؛ فالمعنى: (حتى ينقطع الدم عنهم، ثم بين أنهن لا يوطأن حتى يتطهرن بالماء; فقال: فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ، وقد تقدم مذهب العلماء في ذلك.

* * *

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث